«معرض الكتاب الفرنكوفوني» | تعرف القارئ العربي إلى كمال داود (1970) بعد ترشيحه لجائزة «غونكور» وجوائز أخرى عن باكورته الروائية Meursault, contre-enquête (2013) وفوزه بجائزة «غونكور» عن أفضل عمل أول، إلى جانب تتويجات أخرى.


سرعان ما تناقلت وسائل الإعلام اسم ابن ولاية مستغانم كبطل «قومي» يعيد للعربي القتيل و«الغريب» في رواية ألبير كامو وجهه وهويته. إنّه انتصار المستعمَر/ الضحية في الأدب بعد نصف قرن من انتصارات الاستقلال وعودة الملامح إلى وجه رجل أغفله كامو وجعله عارياً. هدف الرواية النبيل ولائحة الجوائز التي تغري بالبريق والنجومية جعلا الكاتب واحداً من الأسماء المرسخة في الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية. صار يستدعى إلى المهرجانات الأدبية والمناظرات الفكرية ويقدم آراءه في استديوهات القنوات التلفزيونية وعلى صفحات الجرائد. طبعاً، لم يكن للحديث عن الأدب، بل لإبداء رأيه في المواضيع التي تثير شهية الإعلام الأوروبي والفرنسي: صعود الإسلاميين «الكارثي» وخطرهم المحدق بـ»الفردوس الأوروبي»، والسلطوية السياسية في شمال أفريقيا واستحواذ العسكر والحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) على مرافق الدولة الجزائرية. وبدلاً من أن يوظف الصحافي والكاتب الجزائري هذه الشهرة للدفاع عن الصف الحداثي في بلاده، جعل من الصور النمطية الاستعمارية الطريقة المثلى لإنتاج خطابه الإعلامي: بين خندقين، توجد الجزائر. أصحاب العربية، اليمينيون، الأصوليون الذي يرغبون في العودة إلى الوراء، في مواجهة مفتوحة مع الحداثيين المفرنسين، ضحايا الحرب الأهلية، الأنبياء الذين لا يفهمهم بني جلدتهم، وتحاصرهم نيران الحقد العروبي الإسلامي. كأنه يعيد إنتاج الخطاب البغيض نفسه لقصة مورسو الأولى. هناك الأنا، المتفوق أخلاقياً (حتى في العبث) وهناك الآخر المتخلف الذي لا يستحق أن ينظر إليه. يضع الكاتب الكل في سلة واحدة، فالإسلام والمسلمون رجعيون ومتخلفون وخارج الزمن، والعربية لغة ميتة! مواقفه دفعت رجل دين جزائرياً بليداً إلى المطالبة بقتله، بينما انتقد على نطاق واسع لما يبديه من مواقف.
انتقاده ألبير كامو في رواية داود لم يشفع للأخير من السقوط هو الآخر. غير أن سقطة داود لا تقل عبثية عن سقوط أبطال الوجودية في مواقفهم المحتدة تجاه العالم. برغبته في انتقاد جزائر يخيم عليها شبح الظلامية اليمينية ممثلة في جزء من الحركات الدينية وسلطوية العسكر، أطلق داود نيرانه الصديقة من دون أن يدري على «العربية» والناطقين بها.
في «الحائط» وهي واحدة من أشهر قصص جان بول سارتر، يحاول معتقل السخرية من العسكر الفاشيين الذين سينفذون حكم الإعدام به، فيخبرهم بمكان خاطئ يختبئ فيه رفاقه. لكن القصة تنتهي باعتقالهم في المكان ذاته، وخيانة الرفيق لهم، بينما ينظر إليهم يساقون إلى حائط الإعدام، فاغراً فاهه، أمام فظاعة خيانته غير المقصودة. وربما يخون داود الحداثة والحداثيين من بني جلدته المناصرين لقضايا التحرر، والعلمانية، وحقوق الإنسان من دون قصد، بأن يسبغ على كل ما يخص اللغة العربية صفة الرجعية ومحاولة الاستحواذ على الحكم بطريقة شمولية. لا يفصل داود في تصريحاته، المثيرة التي يطلقها في وسائل الإعلام الأجنبية بين اللغة كأداة للسلطة، وبين اللغة كذائقة وموروث ثقافي. ولا يدرك ربما، أنّ الآلاف من مثقفي اللغة العربية قارعوا السلطات والأصوليات التي ترغب في الحجر عليها (اللغة) واصطحابها إلى رِجْعة تاريخية لا تغتفر. يقول داود إن اللغة المقدسة والمتحجرة ليست لغة الجزائر وإنما لغتهم هي العامية الجزائرية. لكنه لا يكتب إلى قرائه بجزائريتهم، ولا يخاطبهم في مقالات رأي يفهمونها، ويفضل لغة موليير. نتفهم كتابة الإبداع باللغة الفرنسية، لكن ماذا عن الرأي الذي يتوجه به الصحافي إلى مواطنيه، لا قارئي الأدب؟ هكذا يتمترس داود في الخندق نفسه مع مواطنه بوعلام صنصال، صاحب المواقف المخجلة، ومئات من مثقفي شمال أفريقيا والشرق الأوسط الذين يتبجحون بانتقاد اللغة العربية «الهجينة والغربية»، ويفضلون أناقة لغة «الخالة فرنسا» والإنكليزية! ولنعتبر موقف كمال داود صادقاً، فلماذا لم يسر في طريق الكيني نغوجي واثيونغو Ngugi wa Thiong›o الذي تخلى عن بريق الإنكليزية، وفضل الكتابة بلغته الأم، قبل أن يكتب كتاباً مهماً هو «تصفية استعمار العقل»؟ وكان من طروحاته الأساسية أن إشكالية الكتابة لدى الأفارقة أساساً هي في الكتابة بغير اللغات الأفريقية. ولماذا أغفل داود، ربما عن غير قصد، تجربة رجل تصالح مع نفسه في مواقفه من العربية والفرنسية، التي كتب بها نصوصاً من أجمل الكتابات الفرنسية، وهو مواطنه كاتب ياسين صاحب «نجمة» الذي فضل تأليف المسرح بالجزائرية والذهاب للقاء العمال المهاجرين والمدن المنسية في بلده الجزائر من دون تكبر المثقف الذي ينظر إلى «شعبه» من البرج العالي، ولا يرى إلا قاعه الشخصي!

* توقيع النسخة العربية من كتاب داود «معارضة الغريب» في جناح «دار الجديد»: 25/10/2015 ــ س:16:30