يأتي العدد الجديد من «مجلة الدراسات الفلسطينية» (104 ــ خريف 2015) الذي يصدر عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» (بيروت) محملاً بالكثير من المواضيع المهمة المرتبطة بالصراع العربي الصهيوني. تنشر المجلّة في ملّفها كراساً (استعادياً) لمرحلة «الفدائي إذا تكلّم» ونعني به مهندس الانتفاضة الأولى (1987) القائد في حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح الشهيد أبو جهاد الوزير من خلال إفرادها وثائق خاصة (تقريباً أكثر من ثلث العدد). وتضيف المجلّة كذلك نقاشاتٍ متعددة في الشأن الفلسطيني العام.

يأتي الكراس الرئيسي في المجلّة منشوراً كما هو في استعادة لتلك المرحلة من بدايات الثورة الفلسطينية.
هذا الكراس الذي يحمل اسم «البدايات» هو تقريباً من أوائل نصوص الثورة المكتوبة التي بنيت على أساسها الثورة الفلسطينية. وتستعيد المجلّة في هذا الوقت الكراس بصفته شاهداً أساسياً ليس فقط على تلك المرحلة، بل على الجهد الكبير المبذول من قبل أبو جهاد (خليل) الوزير.

تشرح المقدّمة الكثير عن الرجل، وتقدّمه لا بصفته الكاتب لتلك الكراسة – المفصلية- بل بصفته المناضل والثائر الذي اعتبر أنه يمهد للطريق بحد ذاته، بدلاً من الكتابة عنها. وتشرح الفصلية أن هذا الكراس/الوثيقة يتكلم «عن تجربة البداية بكل ما تحمله من آفاقٍ وآمال، معلناً بشكل واضح معنى الثورة بصفتها تضحيةً وتفانياً وفداء»، مضيفة أنَّهم «حافظوا على النص كما طبع في الكراس، ولم نحدث عليه أي تعديلات» (تشير إلى أنه تسجيلٌ لحديثٍ بين أبو جهاد وعدد من الكوادر جرى في عمّان عام 1986 عن البدايات، فرغه هؤلاء الكوادر، وجرى إعداده للنشر في كراسٍ حمل عنوان «البدايات» بقلم خليل الوزير). وتؤكد المجلّة أن الهدف من نشر هذا النص هو «تقديم تحية إلى مناضلي الرعيل الأوّل الذين قدموا نموذجاً نحن في أمس الحاجة إليه. فحركة فتح هي حركة ثورية بناها فدائيون قرروا أن النضال هو الطريق لاستعادة الحق وإعلاء صوت الحقيقة. كما أن نشر هذا النص يجب أن يكون حافزاً لمن يمتلكون وثائق تلك المرحلة على نشرها وتعميمها».
وفي مقالٍ/دراسة مهمة تحمل عنوان «الرغبات الجنسية في آلة الاستعمار الاسرائيلية الاستيطانية»، تلقي الباحثتان سهاد ظاهر ناشف ونادرة شلهوب كيفوركيان الضوء على كيفية انتهاك الاستعمار الصهيوني «لأجساد النساء الفلسطينيات فعلاً ومجازاً». تدمج الباحثتان بين ارتباط الأرض واغتصابها، وجسد الأنثى واغتصابه من قبل المحتلين أنفسهم. ثقافة «الاغتصاب/الانتهاك» تشكّل فعلاً يومياً للاحتلال والاستعمار، وهذه الممارسات شبه «الخفية» التي لا يحكى عنها الكثير تتكثف وتتزايد في حالات الصدام والحرب (أو أي التحام/احتكاك سياسي حاد). تنكب الدراسة على تحليلٍ فعلي لكتاباتٍ وتصريحاتٍ ورسوماتٍ ومواد مرئية مارست الفعل العنفي «الجنسي» والجسدي على المرأة الفلسطينية قبل وأثناء وخلال الحرب على غزّة عام 2014، فضلاً عن تصريحاتٍ أطرافٍ في القيادات الصهيونية (التاريخية كبن غوريون، إذ تشير الدراسة إلى أنّه أيّد قتل الأطفال والنساء الفلسطينيين معتبراً إياهم تهديداً للكيان العبري) التي نادت بشكلٍ «فعلي» إلى قتل المرأة الفلسطينية «واغتصابها» ضمناً.


دراسة مهمة عن كيفية انتهاك الاستعمار الصهيوني «أجساد الفلسطينيات فعلاً ومجازاً»

وعن اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، يكتب عضو المكتب السياسي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين معتصم حمادة مقالاً مهماً يشرح فيه الوضع السياسي/ الاجتماعي في استكمال لما تنشره الفصلية عن الوجود الفلسطيني في سوريا (وعن مخيّم اليرموك ضمناً)، وتأثره بالأزمة المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام. تشرح المقالة بالتفصيل جوانب عن أوضاع المخيّم لم يتم التطرّق إليها في السابق، وما حدث فيه خلال الأزمة، فضلاً عن تعريةٍ شاملة للمجتمع المدني الفلسطيني (الجمعيات الأهلية وحتى المؤسساتية القريبة من التنظيمات والأحزاب الفلسطينية كاتحادات العمال، الصيادلة والمحامين والمرأة وسواها) مؤكدةً أنها كانت إما «تفتقد لأدنى مقومات الصمود والثبات الاجتماعي» أو «غير ذات تأثير» وهشة إلى أبعد حد، فلم تستطع فعل أي شيء «للحد من تأثير النكبة في الحالة الفلسطينية».
وفي إستعادة «نوستالجية»، يقدّم خالد عايد قراءة لرواية القاصة الفلسطينية حنان بكير «قصة الثائر أبو جلدة» (دار نلسن). تأتي الرواية تأريخاً لثائر فلسطيني عدّ نوعاً من «روبن هود» في مرحلةٍ ما، ممثلاً ثقافةً مقاومةً في إطارٍ معين. تتعمد القراءة أن تشير إلى أن هذه الرواية تعيش التباساً أدبياً جذرياً، ذلك أنها تختلف عن غيرها من الروايات، إذ لا تدور حول بطل وهمي، ولا تتناول شخصية تاريخية حقيقية بل هي مزيجٌ من هذا وذاك. بطل الرواية هو شخصية حقيقية تدعى محمد محمود أبو جلدة من قرية طمون الواقعة شرقي شمالي نابلس. فلاحٌ يقرر التمرد على حكومة الانتداب، فيسكن القفار والجبال، مهاجماً دوريات الإنكليز ومستعمرات اليهود، مكتسباً رصيداً شعبياً كبيراً، وحباً جارفاً فضلاً عن «أسطرةٍ» محلية تجعل الناس يفتحون له بيوتهم وينضمون له ولعصابته (سيكوّنها في ما بعد مع صديقه صالح مصطفى الملقب بالعرميط). كانت «حركة/ ثورة أبو جلدة» (1933) سابقةً لثورة القسّام والثورة الفلسطينية الكبرى (1936) تالياً. وإذ أشرنا إلى فكرة «الاستعادة النوستالجية»، فإن الكاتب يؤكد أن إريك هوبزباوم (المؤرخ البريطاني) ابتكر مفهوم «الشقي الاجتماعي» (Social bandit) وهو نفس ما تقدّمه الرواية التي تمجّد البطل «المقاوم» الشعبي المعترض (يشبّهه بأدهم الشرقاوي المصري مثلاً، أو يونس الأسدي من رواية «باب الشمس» لإلياس خوري أيضاً).
وضمن مقابلات العدد، تأتي المقابلة (أجراها في أوسلو ميشال نوفل) مع إيفا لويز فيرغلاند (الطبيبة النروجية الباحثة و»أيقونة» التضامن مع الشعب الفلسطيني) للحديث عن المقاطعة الأكاديمية للكيان العبري. الناشطة المعروفة بكونها أحد أصلب المعادين للصهيونية والكيان العبري، تشير إلى عدم رضاها لأنّ «فلسطين ليست حرة، بعدما اعتقدنا منذ 30 أو 40 عاماً أننا سنرى النهاية أقله في حياتنا وقد ارتكبنا الأخطاء وتعلّمنا ومررنا بتجربة مهمة جداً»، مؤكدةً أن هذه المقاطعة «الرياضية/ الأكاديمية/ الثقافية» هي شأنٌ نروجي وقضية «نروجية».
وحوى العدد مواضيع أخرى متعددة حاولت الإحاطة بكامل التفاصيل الفلسطينية المتشعّبة، فكان الحديث عن القدس (ضمن ملف وقائع القدس) بصفتها من أكثر المدن تعرضاً لمحاولات الأدلجة والصراع عليها صهيونياً. كذلك، نشرت المجلّة مقالاً قديماً للمفكر الراحل إدوارد سعيد (نشر عام 2000 باللغة الإنكليزية) حول لقائه بجان بول سارتر مطلق صرخة «عارنا في الجزائر» الذي كان له نظرة «مختلفة» وللغاية تجاه القضية الفلسطينية.