لم يكن الناس في حاجة إلى دليل إضافي على عجز السلطة التام وفشلها في التصدي لأي مشكلة بنيوية أو طارئة. أمس، بدأ موسم الأمطار، وبدأت معه مخاوف لا تحصى. طافت الطرقات كما في كل عام، ولكن هذه المرّة طافت معها أطنان من النفايات المكدّسة في المكبات العشوائية، "جالت" في الشوارع واقتحمت المساكن والمحال التجارية.


سدّت قنوات صرف المياه والمجارير المسدودة أصلاً بسبب انعدام الصيانة. كل ذلك كان متوقعاً، والتحذيرات تشي بأن الآتي أعظم، إن لم تتغيّر طريقة التعامل مع الشأن العام والمصالح العليا. تفشّي الأوبئة يشكّل تهديداً جدّياً، وكذلك تلوّث المياه، فضلاً عن انتشار القوارض والحشرات الضارة. مصادر معنية حذّرت من أن جبل النفايات على ضفاف مجرى نهر بيروت يشكّل كارثة حقيقية، إذ إن الأمطار ستؤدي إلى انهياره مع الوقت، وبالتالي سدّ المجرى والتسبب بفيضان مياه المجارير في كل مكان في المدينة... ما العمل؟ حتى الآن لا يبدو أن هناك أي أمل. خطة وزير الزراعة أكرم شهيب لمعالجة النفايات لم تكن قابلة للتنفيذ أصلاً، في ظل استمرار تعطيل المؤسسات وعدم مراعاة الحد الأدنى من الشروط الموضوعية لقبولها من المجتمعات المحلية. في الناعمة ـ عين درافيل وسرار (عكار) ومجدل عنجر (السلسلة الشرقية) وبرج حمود، يرفض الأهالي المطامر ويعبّرون بوضوح عن عدم ثقتهم بمن يتحمل المسؤولية في الدولة والبلديات. في المقابل، يهدد رئيس مجلس الوزراء تمام سلام بالاستقالة في حال عدم تأمين تغطية كاملة من القوى السياسية لتطبيق الخطة الفاشلة، وكذلك يهدد وزير الزراعة بالانسحاب من مهمّته وتسمية الأشياء بأسمائها. في هذا الوقت، كان وزير البيئة محمد المشنوق ينشر صوراً التقطها في فلورنسا، ووزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق يفتتح مجمّع "آيشتي" في أنطلياس، وقوى الأمن الداخلي تتفرغ لتسهيل وصول المدعوين إلى المجمع وتفرض حصاراً إضافياً على الناس العالقين في الطرقات. أمّا مجموعات الحراك الشعبي، فتتخبط في خلافاتها واختلافاتها، ولم تنجح في تحويل غضب الناس إلى حركة ضاغطة مستمرة في الشارع. أمس، اعتصم عدد من الناشطين والناشطات من حملات "جايي التغيير" و"طلعت ريحتكم" و"حلوا عنا" في ساحة رياض الصلح وتوجهوا في مسيرة إلى منزل سلام، فيما قام آخرون من "طلعت ريحتكم" بتوضيب النفايات على ضفاف نهر بيروت لتأجيل وقوع الكارثة هناك.