غضب اللبنانيون أمس من المشهد الذي رأوه. هذه المرة، لم يكن الطوفان كما اعتادوه سنوياً، بل أتى ممزوجاً بأكياس نفايات تناثرت في معظم الطرقات. لكن ما شهدوه أمس ليس سوى «بروفة» صغيرة لما ينتظرهم. الأسوأ قادم، وهو لن يقتصر على نفايات في الشوارع، بل ستنفجر مياه الصرف الصحي في الشوارع وبين البيوت، ما يمهّد لكارثة صحية.

فقد حذّرت مصادر مطّلعة على ملف البنى التحتية والنفايات في منطقة نهر بيروت من أنّ الخطر الأكبر يكمن في جبل النفايات الذي راكمته الدولة على ضفاف نهر بيروت، حيث ستقع كارثة حقيقية على مستوى البلد. وتوضح أن تساقط الأمطار على النفايات يزيد من ثقلها، ما يعني أن جبل النفايات «المكوَّم» على ضفاف مجرى النهر لن يصمد كثيراً وسينهار، ما سيؤدي إلى إغلاق المجرى نحو البحر، وبالتالي لن تُصرّف مياه الصرف الصحي وستنفجر قنوات المدينة ومجاريها التي تصب في معظمها هناك. ستنفجر على الطرقات وفي البيوت.

طرقات عديدة اجتاحتها المياه بسبب تساقط الأمطار. ليس الحديث هنا عن عاصفة، بل تساقط أمطار لساعات قليلة ضمن موسمها الطبيعي. هذه الساعات كانت كافية لتحوّل مناطق الشويفات، خلدة، سد البوشرية، جديدة المتن، جسر الحايك، الرحاب… إلى مستنقعات وأنهار جارية، تسحب معها أكواماً من النفايات.
أما في المناطق، فقد تكررت المشاكل نفسها. ففي طرابلس، حوّلت الأمطار الغزيرة شوارع المدينة إلى برك وبحيرات، غرقت فيها السيارات والمارة، ما سبّب خسائر وأضراراً. وتحوّل أوتوستراد الملولة وأوتوستراد البداوي عند مدخل طرابلس الشمالي إلى مستنقعين كبيرين، ما عرقل حركة المرور. كذلك تسبّب عدم «تعزيل» بلدية طرابلس لقنوات تصريف مياه الأمطار في تحويل الشارع الرئيسي في سوق القمح إلى نهر غمرته المياه المتدفقة من جوانبه، وتحوّل جسر بخعون ــــ القطين، الذي يربط بين جرد الضنية ووسطها إلى بركة مياه نتيجة عدم وجود فتحات تصريف المياه. كذلك غرقت المناطق على امتداد الأوتوستراد الساحلي الشمالي بمياه الأمطار بسبب انسداد العبارات.


جبل النفايات على ضفاف نهر بيروت سينهار ومجاري بيروت والضاحية لم تُنظَّف

لكن، رغم المعاناة التي واجهها المواطنون، خصوصاً سالكي طرقات مدخل بيروت الشمالي، أبت الدولة عبر قوى الأمن الداخلي سوى أن تؤكد للناس أنهم مواطنون درجة ثانية، إذ أصرّت، بالرغم من الطوفان وانتشار النفايات في الشارع وما سببه من زحمة سير، على إقفال الخط البحري من جونية باتجاه بيروت مساءً لمناسبة افتتاح مركز AISHTI الجديد في ضبية، مضاعفةً بذلك معاناة الناس.
أمام هذه المشاكل والأخطار الداهمة في موضوع نهر بيروت، أعرب المسؤول المباشر عن البنى التحتية والطرقات، وزير الأشغال العامة غازي زعيتر عن «أسفه لمشهد تراكم النفايات في الشوارع مع بداية فصل الشتاء وتساقط الأمطار». يحزن الوزير تحديداً على «المواطنين الذين علقوا لساعات في سياراتهم على الطرقات، بسبب ما أنتجته هذه المشكلة من برك مياه». هو حزن أيضاً، منذ عام، على مشهد المواطنين الذين كادوا يموتون في نفق المطار على الرغم من عدم وجود أزمة نفايات آنذاك. لم يطرح زعيتر حلاً، اكتفى بإلقاء اللوم على من راكم النفايات في الشارع، ما أدّى الى إغلاق المجاري، مؤكداً أن «شركات تنظيف القنوات قامت بواجبها». وقال زعيتر: «أتحمل المسؤولية من موقعي كوزير للأشغال، لكنني منذ أشهر أحذر من كارثة بيئية ستحل عند تساقط الأمطار، لكن للأسف لا آذان صاغية»، لافتاً إلى أن «البلديات عمدت إلى رمي النفايات وسط الطرق العامة، وبالتالي، تتحمل جزءاً من المسؤولية».
بدوره، يؤكد المتعهد المسؤول عن الأشغال من نهر الموت في اتجاه طرابلس مارسيل كيروز، أنّه «جرى تنظيف جميع المجاري لكن النفايات ليست مسؤوليتنا، وقد كان واضحاً أنه عندما توقفت الأمطار اختفت المستنقعات، ما يعني ان لا مشكلة في المجاري». يعلن كيروز أن «المشكلة التي كان يواجهها المواطنون على أوتوستراد ضبيه مقابل الـ ABC حُلَّت عبر مد قناة تصريف من المجمع التجاري في اتجاه البحر وبذلك لا تتجمع المياه على الأوتوستراد».
منطقة الضاحية عامت، مثل كل عام، على الرغم من تنظيف مجرى نهر الغدير الذي كان المشكلة الرئيسية في السنوات السابقة. حاولت «الأخبار» أن تتصل بمتعهد أشغال البنى التحتية لمنطقة بيروت والضاحية جهاد العرب، لكن ما من إجابة. إلا أن مصادر متابعة أكدت أنّ الكثير من مجاري بيروت والضاحية لم تُنظَّف، ما أدى الى الطوفان الذي شهدناه أمس بالإضافة إلى أن أزمة النفايات فاقمت المشكلة.