في الطريق من وسط بيروت المسور برجال الأمن الخاص، وصولاً حتى مار مخايل، تلحظ قبل أن يشرح لها أنه يرسم إشارة الصليب بأصابعه الثلاثة عند المرور بكل كنيسة، ولا يفوت تلك التابعة للروم الأرثوذكس.

بيروت في الليل توهمك أنك عشيقها الوحيد، ولكنها مومس متمرسة تعرف كيف تحدث كل منا باللهجة المحببة إليه. فيما تتدافع الأفكار في رأسها، وترد على ترهاته بلامبالاة، تقود سيارتها الرياضية بحرص موصوف.

بالمقابل، تعانق الغبطة محياه لرضوخها أخيراً لدعوته إلى تشاطر بعض من الأمسية، بعد أن كرّر دعوته. هو مولج بأمر الإدارة في الشركة حيث تعمل؛ يرى فيها ذلك السر الذي يغري بالكشف: تأتي متأنقة بدون تكلف، وتسهر لإتمام العمل بدون مساومة لطالما عهدها عند الموظفين. توصد بصمتها، باب مكتبها مكعب الشكل والمحاط بالزجاج، وتغوص في عوالمها التي تدر على إدارتها المال الوفير. إدارة سليلة حكم الخواجة الانكليزي، حيث يمكن للأجير ومهما تقاضى من راتب يعد مرتفعاً في ظل اقتصاد مهترئ، أن يظل أرخص لناحية القيمة المادية وأكثر كفاءة للشركة إذا قارنت جهوده بانتقالها إلى الصحراء، حيث فقاعة المال والأعمال. لم تسع بخلاف زميلات عديدات إلى تملقه لكونه المدير، أو كسب وده. يتشاركان بين الفينة والأخرى الغداء في مقر العمل المتمركز في طبقة عالية من برج يبصق على مجريات الشارع تحته كمراهق ذي جسد جائع للملامسة خبر التدخين حديثاً. تختار له الأطباق الحارة التي تحب مذاقها، فيجاريها. يخشى الخطو أكثر نحوها، إذ يحار في أمر ما سيلي تمنعها. تغريه بأفكارها المخالفة لما يعهده. تطرق بكعبيها على ما يعد موضة، سواء اجتماعية أو فكرية أو حتى في التصميم الصناعي ملعبها. ترد على تودده بدماثة، بدون شطط. يمر قبالتها في فترات متقطعة من النهار، فلا يختلف المشهد عليه. نظارتان محدقتان إلى شاشة كبيرة، وجسد ممتلئ عند الفخذين المنتهيين بكعب عال يتلوّن باستمرار مرخي على كرسي يتقدم مجموعة من الجوائز. إلى يسارها، تبدو شتلة «أُركيديه» بيضاء بجوار شباك يظل مفتوحاً صيفاً شتاءً، وإلى يمينها نص قرار مصدق منه بمنع تشغيل مكيف الهواء ملصق على الحائط حيث خريطة ضخمة للمدينة.
تشارك في الاجتماعات التي لا تنضب، تدون ما يبغونه من كل مشروع، وتحول الكلام الشفوي إلى عمل إبداعي يحاكي عين المستهلك بغض النظر عن مضمونه. تحرص على التحدث بالعربية مقابل هجين لغاتهم. تقولب أفكارها لتصميم عبوات وملصقات السلع الاستهلاكية ذات العلامات التجارية الوطنية والعالمية. تصل قبل ساشا عامل النظافة، وتغادر متأخرة بعد ساعات من انفضاض جموع الموظفين وجلبتهم. تستثمر جسدها وروحها في سبيل أصفار باتت في عداد السبع في رصيد قلما يهمها مراجعته. تحاكي في علاقتها بمصدر رزقها أفعواناً يلاعب تنيناً، يتدرى من ناره تارةً، ويعرف متى يقذف سمه تارة أخرى، بدون أن يهدم الهيكل فوقهما. هي كيان يشكو القحط الداخلي، إلا أنّه ماهر في جمع شظاياه لتشكيل كتلة خارجية متماسكة تدعو للثناء. لم ينجح أحد في أن يحتل خواءها. كل النظرات والابتسامات والعناقات والكلام اللطيف تعجز أن تلون بياضها الداخلي، بينما تخطو على عتبة الثلاثين.
بعد أن يبلغا المشرب، يقص عليها شذرات من سيرته. والده الأستاذ الثانوي الذي رحل باكراً، أمه التي ورثت عن المرحوم كلّ صفات التسلط، زواج أخته من ثري لا يروقه، وترحاله في الصحراء قبل أن يستقر في لبنان. يحكي عن البلد الملعون بصيغة إنشائية، وبلسان صبي أعجب كيف أزهرت نبتة القطن عدساً بعد تطبيق تعليمات أستاذ العلوم الطبيعية! تنصت إليه لدواعي اللياقة، وحين تتدخل تتفوه بعبارات عامة يمكن برمجتها على آلة قد يضعها الانسان المعاصر مستقبلاً بجواره للاستئناس ويستبدلها بقرف البشر. ترى انه، على الرغم من جسمه الرياضي ولباسه الذي يثبت مركزه الاجتماعي وأسنانه شديدة البياض، يدقق كثيراً في أمر المال. في هذا المجال، لا يخطئ أنفها. يضرب على أوتار غليظة حين يثير كل ما هو طبيعي في عرفها ويحوله إلى عمل بطولي، من نادرة بعده عن اقتناص فرصة التقرب من زوجة صديقه المخمورة وهي تلامسه بإثارة في ظل غياب زوجها، وحرصه على السؤال المتكرر عن أخته ومرافقة أطفالها في بعض النشاطات برغم تحدث صهره إليه بفوقية. تعرى سريعاً أمامها، ولم ينس أمر كشف الجزء الأخير من عورته حين أسر لها عن افتتانه في شبابه ببشير الجميل، وتبريره عنفه بعد النضوج، العنف الذي يمسي الحل الأوحد، عموماً، حين يحاصر المرء. تستجمع قواها لنقاشه بعد أن تطلب إليه احضار كأس ثانية من الفودكا، فيقول لها ضاحكاً ان مشروبها المفضل هو ذلك العائد للشحاذين بخلاف الويسكي الذي يعبه والمقرون بالملوك، فتلعن سراً إله المحبة قبل أن تتراجع عن قرار نقاشه. تضحك ضحكة صفراء في وجهه حيث تظهر أمارات الفتنة بها. وحين يتيقن أنها لم تنبس ببنت شفة بعد حوالى خمس وأربعين دقيقة من لوك لسانه الحروف دون كلل، يقرب رأسه نحو عنقها ويقول: «خبريني شي عنك، أنت غير»، فتراوغه لتتهرب من الكلام الذي لو راكمناه لصنع جبلاً يعجز عن الصمود قبالة نسمة صيف. ربما لا يحتاج البشر في علاقاتهم سوى إلى شركاء ذوي آذان ضخمة تنصت إليهم حدثت نفسها، والأمر يسري خصوصاً على علاقات الذكور بالإناث.
تبتدع سبباً للعودة بعد فراغها من كأسها الثانية، تصرفه بقبلة، قبل أن تتابع سبر أغوار المومس بيروتها. بعد ربع ساعة، يسألها عبر رسالة هاتفية عمّا ان كانت بلغت منزلها، فترد انها تستعد للنوم، فيما هي تصدح مع ايمي واينهاوس: «يجب ألا أتلاعب بنفسي مرة ثانية/ يمكنني أن أمسي صديقة نفسي/ لا أن أكدر نفسي بغباء رجل». تقود سيارتها بسرعة. نغمات «السول» تطرق عالياً على كيانها الذي يقارب الخدر. تضحك، حين تتصور جوالها يرن بعد أيام، فترفع السماعة، وتتلقى مكالمة موظف مهذب من «ليبان بوست» يعلمها أن ثمة ضبط مخالفة للسرعة محرر بحقها، فتطلب اليه أن يأتيها أحد به لتنقده إياه. ترى أناساً على كورنيش عين المريسة يتمشون بعد منتصف الليل، فيما الأضواء المطفأة للمصابيح العامة تحول مشهد البحر إلى الوحشة. تمر بين خط البحر ووسط بيروت وصولاً حتى الصيفي، وتكرر الجولة مرات ثلاث. تراقب كل التفاصيل التي ترسم أشكال المومس: فراغ الشوارع الحاضنة لسيارتها كأم تخفي حنانها تحت تسلطها فلا تقبّل ابنتها سوى حين تنام، والأبنية الاسمنتية المنتهكة للعين والممعنة في تصغير الناظر إليها، وأصوات موسيقى الحانات المختلطة بوعود المخمورين الكاذبة، وقليل من المارين لم ينفضوا آثار ثرثرة الليل. تتيقن عند الثانية صباحاً أن بيروت دخلت المغطس للاستحمام من آثار ليلها، وما هي سوى ساعات حتى تستعد لترتدي ثوبها المحتشم، بعد آذان الصباح من الجامع ذي المعمار البديع، فتقنع نفسها أنه حان وقت الرجوع إلى تقاطع الرئيس ج ف كنيدي والبطريرك عريضة، حيث شرنقتها. تنام في سرير مجاور لسرير أبيها. في صباح اليوم التالي، يجلسان متقاربين، ويشربان قهوتهما على مهل ويستغلان شمس شباط للتمدد أرضاً ورفع سروالي نومهما، لتغمر خيوط القرص الذهبي بياض أرجلهما. يقلم أظافره بعناية ويبردها، فيما هي تطالع نشرة عن معرض فني. يسألها عن مستحضر تجميل لتنعيم قساوة أظافره، القساوة التي تفاجئه، فتباغته: «ختيرت»!.
فيما أوراق الروزنامة تتساقط كدفق مطر غزير، يحدثها عن زوجة البقال التي تطيل النظر إليه، وتشدد على «تكرم عينك» حين يشتري لها الشوكولاتة البلجيكية السوداء والمياه المعدنية الغازية، فتضحك طويلاً لخفر الستيني الذي يجسد الانكسار، وهي تهوى الخسارات.
يعد لها الملفوف المحشو بصلصة مشبعة بعصير النارنج على الغداء، يرتب الطاولة ولا ينسى الزيتون الأخضر. تجالسه ويطيلان الصمت أثناء الطعام، ثم يشاهدان «البؤساء» بنسخته المصرية. ينظر إلى وجهها المستدير الأبيض طويلاً، ويرى في عينيها البنيتين شباباً فاته وذوقاً رفيعاً لطالما وسمه ونرجسيته المغلفة بالسكون. يتواصلان بدون وساطة اللسان. يعرف أنه لن يحد عقلها المنسكب كتلة صلبة قيد مؤسسة أسها المساومة، تقونن الجماع. يتحايل عليها تارة بضرورة تلبيتهما دعوة عشاء إلى مائدة صديقه التاجر بحضور ابنه، فتسارع بدهاء إلى الهزء بدلال الذكور الأثرياء وضيق ثقافتهم، فيما هي تدرك أنه من المستحيل أن تتقارب وولي عهد دائن والدها زمن الشدائد. تنام ليلاً متوسلة ألا يأتي أجلها قبله، فهو وحيد وهش، وهي أيضاً وحيدة. تحت هذا السقف، تلعب دور البطولة المطلقة، وتعرف معنى الحصرية، وتأبى مغادرة جنة الصمت الكامنة خلف باب خشب صلب، في مبنى لم يشعرا فيه بالألفة قط، ولن يفعلا. جاءاه، بعد أن خسر كل شيء، ميراث أمسى كرة صوف ذات خيوط متشابكة بعد عبث قطة فيها لطمع أخيه البكر وأصهرته وتكتلهم مقابله، ونهب ماله في «المدينة العريقة للمستقبل» مقابل أسهم وهمية وزواج أمسى أثراً بعيداً من امرأة لم تطق عجزه، فهجرته الى حيث يتجاور الله مع الصفاقة.
* كاتبة من لبنان