صاحب هذا المؤلف، هاني بوردي، أستاذ مساعد في جامعة «متشغن» الأميركية حيث أسهم في تأسيس أول فرع لدراسات العرب الأميركيين. ثمة مؤلفات صدرت عن المهاجرين العرب إلى الولايات المتحدة منذ نهايات القرن التاسع عشر، إلا أن ميزة هذا المؤلف هو تاريخيته واعتماد الكاتب على وثائق محفوظات تعود إلى رفاق له ائتمنوه عليها وفق ما يرد في المقدمة، كي يعرض من خلالها تاريخ الهجرة العربية الأولى إلى القارة الجديدة وتنظيمها وأهدافها وما إلى ذلك من الأمور ذات العلاقة.

الأوراق التي اعتمد عليها الكاتب تعود أيضاً إلى اتصالات مع شخصيات معروفة من العرب في المهجر ومنهم ميخائيل نعيمة، ومفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وسلطان باشا الأطرش وغيرهم.

كما نعثر في المراجع الأصلية التي اعتمدها الكاتب على وثائق وأوراق جمعيات وأحزاب ومؤسسات عربية تأسست مبكراً في المهجر منها «الجامعة العربية»› و«حزب سورية الجديدة»، وجمعية «سورية الحرة»، و«معهد الشؤون العربية الأميركية» الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وغيرها. وقد أثرى الكاتب العمل بصور وثائق عديدة صادرة عن تلك الجمعيات أو موقعة باسم بعض مؤسسيها وقيادتها.


وثائق وأوراق
جمعيات وأحزاب عربية
تأسست مبكراً هناك

كما أضاف صاحب المؤلف هاني بوردي صوراً ووثائق أخرى تعكس ارتباط المهجر بالوطن ومنها صور وثائق «لجنة إعانة منكوبي سورية» و«لجنة إعانة المنكوبين في سورية» صادرة في عام 1926 كانت تشكلت من أجل تقديم المساعدات إلى الأهل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مما يؤكد ارتباط المهاجرين بأوطانهم وعد أنفسهم جزءاً من «الأمة» السورية، وهذه مادة أساس في رسالة الكتاب. كما نعثر أيضاً على معلومات عن «جمعية الاتحاد السوري» و«لجنة إعانة منكوبي فلسطين».
يثبت الكاتب عدم صحة الرأي السائد القائل بأنّ النشاط العربي السياسي في الولايات المتحدة بدأ بتأسيس جمعية خريجي عرب الجامعات الأميركية في أعقاب كارثة عام 1967، وأن تاريخ ذلك النشاط يعود إلى عقود عديدة قبله.
يؤلف المؤلف على ضرورة الانتباه إلى مراجع عديدة تسجل الحضور العربي في الولايات المتحدة والنشاط السياسي فيها منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الثانية. وهذا يعني إعادة النظر في التواريخ المسجّلة إلى الآن وملء الثغرة المعرفية بخصوص تلك المرحلة المجهولة للبعض أو المنسية أو المتناساة، بمؤلفات وترجمات.
هنا من الضروري لفت النظر إلى تأكيد الكاتب أن نشاط عرب المهجر في الولايات المتحدة الأميركية كان قومياً جامعاً وليس طائفياً، مع أن غالبية المهاجرين العرب كانوا مسيحيين.
الأمر الآخر الواجب الانتباه إليه هو تأكيد الكاتب ــ اعتماداً على الوثائق الأصلية ذات العلاقة ـــ أن الرابطة الجامعة لعرب المهجر كانت سورية، وسورية هي بلاد الشام، أي الأرض الواقعة بين جبال طورس شمالاً وصحراء سيناء جنوباً، والفرات شرقاً والبحر المتوسط غرباً. المقصود هنا أنّ الرابطة أو العصبية أو القومية ـــ سمها ما شئت ـــ كانت سورية ولم يكن ثمة تمييز بين فلسطين وسوريا ولبنان والأردن وما إلى ذلك. رغم التقسيم الاستعماري للمنطقة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حافظ المهاجرون على هويتهم الأصلية التي جلبوها معهم وهي الرابطة السورية.
يلقي المؤلَّف الضوء على الفترة الزمنية التي استحال فيها المهاجرون السوريون إلى أميركيين عرب في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وأسباب ذلك والكيفية التي تم بها التحول.
يحظى المؤلف بأهمية خاصة، فهو يعتمد على وثائق أصلية لم يتم التطرق إليها في مؤلفات أخرى، ويبين على نحو جلي التماسك الاجتماعي القائم بين المهاجرين، كونهم ينتمون إلى «أمة» واحدة، مما انعكس في عملهم المشترك من أجل قضية تحرر سورية ومن ثم من أجل نصرة فلسطين. يشدد الكاتب من ناحية على الارتباط بين مختلف مكونات المهاجرين من جهة، بصرف النظر عن الدين أو المذهب، ومن ناحية أخرى عواطفهم تجاه وطنهم الأم، سورية، وارتباطهم بها.
المؤلف يجادل ــ بالوثائق ــ الرأي الزاعم بأنّ ارتباط المهاجرين السوريين بالوطن الأم بدأ مع اندلاع الحرب العالمية الأولى أو بصدور وعد بلفور، ويبين أن الارتباط بدأ قبل تلك التواريخ، وتحديداً في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر.
يؤكد الكاتب ذلك، مستشهداً بكتابات شخصيات عربية اشتهرت في المهجر الأميركي ومنها العائدة إلى جبران خليل جبران (1911)، وحبيب كتبة (1916)، وميخائيل نعيمة (1915) وفؤاد شطارة (1917)، إضافة إلى كل من أمين الريحاني وفارس معلوف وأنطون زريق ونجيب دياب ورشيد أيوب ونسيب عريضة وإيليا أبي ماضي وخليل طوطح وبيتر جورج وإسماعيل الخالدي وأمين فرح وعباس أبو شقرا وأوديل سمرا وماري خوري وأغابيا معلوف. هنا يوصي الكاتب بترجمة أعمالهم وتدريسها بصفتها جزءاً أساساً من البنية الإثنية للمهاجرين إلى القارة الجديدة. هذه الشخصيات عملت عقوداً لنقل صورة العرب الحقيقية إلى المجتمعات الأميركية في بيئة صهيونية وعنصرية معادية. هاني بوردي يؤكد في كتابه بالتالي ضرورة إدخال العرب الأميركيين في الدراسات المهاجرية الإثنية في الولايات المتحدة. أخيراً، نعرض محتوى المؤلف الذي قسمه الكاتب إلى سبعة فصول، على النحو الآتي: السكان العرب تحت الحكم العثماني، العصبية السورية في صحافة المهجر، جنود لسورية قبل الحرب العالمية الأولى: جمعية سوريا الحرة، فكرة «سوريا الجديدة» وحزب سوريا الجديدة، سنوات الانتداب والمهاجرين: الجامعة العربية وظهور الرواية العربية الأميركية، معهد الشؤون العربية الأميركية: العرب الأميركيون والنظام العالمي الجديد.