«المشهد الصامت - الاعتداءات الجنسية على الرجال في الحروب» هو مؤلف جديد في موضوعه، مع أن مادته تواجهنا منذ بدء كتابة التاريخ قبل نحو ثلاثة آلاف عام. مع أن التعرض الجنسي للنساء في الحرب حظي بكتابات وأبحاث عديدة، فإن التعرض الجنسي للذكور، رجالاً وأطفالاً، لم يسبق أن حظي بأي بحث منشور، وفق علمنا.

قد يفاجأ البعض بهذا الأمر حيث لا يتميز جسد الذكر بأي إنابة جنسية (sexual representation)، إلا أن صور رعاع ثوار الناتو في ليبيا وهم يعتدون بوحشية العصور الحجرية جنسياً على معمر القذافي، الذي قارب وقتها سبعين عاماً، لا تزال حية أمامنا، تلاحقنا حيثما نظرنا.

الحقيقة في التاريخ، كما يؤكدها أمَلِنْدُو مِسْرا، أن الاعتداءات الجنسية على الرجال والفتيان، سواء كانت اغتصاباً أو نمطاً آخر من التحقير الجسدي والنفسي مثل التعرية والعرض أمام العامة وما إلى ذلك، هي أكبر بكثير مما قد يتصور بعضهم. لكن طبيعة مثل هذه الاعتداءات تدفع بكثير من الضحايا إلى تجنب ذكرها، مما يجعل من عملية إحصائها أمراً معقداً. يؤكد الكاتب والمحاضر في جامعتي «لانكستر» البريطانية و«أنهواك» المكسيكية، أنّ الاعتداءات الجنسية على الذكور، لا تقتصر على الحروب الداخلية والخارجية فقط، بل تتجاوزها لتحدث خلال الاضطرابات المحلية أيضاً: انظروا مثلاً إلى جرائم القوات الأميركية تجاه الموقوفين العراقيين في سجن أبو غريب.


مارست القوات الأميركية في فيتنام هذا الشكل من الاعتداءات

أما الضحايا المحتملون لهذه الاعتداءات، فيكونون في أغلب الأوقات من جماعات إثنية أو عرقية أو دينية أو مذهبية مختلف عن الجناة. وقد بينت التحقيقات في أحداث رواندا والبلقان هذا الجانب العنصري على نحو جلي.
النظم الدكتاتورية أيضاً تمارس هذا الشكل من الجرائم تجاه المعارضين من شعوبها كما يتبين من التحقيقات في أحداث التشيلي والأرجنتين وغواتيمالا والسلفادور وسريلانكا والهند والكونغو وسيراليون. وتبين الأبحاث التاريخية أن هذا النمط من الاعتداءات مارسته قوات التحالف في حربها على اليونان إبان الحرب العالمية الثانية، والتي يطلق عليها الحرب الأهلية. كما مارست القوات الأميركية في فيتنام هذا الشكل من الاعتداءات بحق الفيتناميين.
أما تاريخياً، فإن مختلف أشكال الاعتداءات الجنسية على الذكور ترد في الحوليات الفرعونية المصرية القديمة (الإلهان الذكران حورس وسيت مارسا الجنس)، وترد أيضاً في كتاب اليهودية والمسيحية المقدس. والإمبراطور الإخميني داريوس الأكبر، أصدر مرسوماً يعد الذكور من غنائم الحرب وكذلك جزءاً من الفدية التي ينبغي للمهزوم دفعها للمنتصر، مطالباً بابل وآشور بتقديم خمسمئة خصي جزية.
أما المصادر القياسية الإغريقية، فقد ذكرت أن الذكور الأسرى كانوا يعدون خلال حروبهم الداخلية من غنائم الحرب. والأمر ذاته يسري على الإمبراطورية الرومانية، وبعدها على الحضارات اليابانية والإسلامية وغيرهما. الاستعمار الأوروبي أيضاً مارس هذه الجرائم بحق رجال الشعوب المقهورة وفتيانها، وعلى نحو واسع، كما يؤكد الكاتب، بل إنّ بعض العلماء رأوا أنّ أحد أسباب الاستعمار هو ممارسة الجنس بحرية أكبر.
ومن الأمور «الطريفة» المناسب ذكرها في هذا المقام أنّ مهندساً ألمانياً نازياً اخترع ما صار يعرف باسم «لغم الإخصاء» الذي وضع على حدود الرايخ الثالث الغربية، وكان يتسبب في إصابة خصيتي المشاة من جنود الحلفاء، وبالتالي كان رادعاً لهم أمام محاولة التقدم في حقول ميادين القتال! الانتظام المتزايد للنساء في القوات المسلحة وفي الحروب عنى انتشار ظاهرة الاعتداءات الجنسية من النساء على الذكور، رجالاً وبالغين، وهو ما تبين من صور سجن أبو غريب ومن مذكرات معتقلين سابقين في غوانتنامو. الكاتب لا يقصر بحثه فقط على مختلف أشكال الاعتداءات الجنسية الجسدية والمباشرة على الذكور، وإنما يوسعها للحديث في أسباب حدوثها أيضاً وآثارها الجسدية والنفسية على الضحايا.
الحرب ـــ بحسب الكاتب ـــ حالة استثنائية، ينفصل فيها المرء عن الحالة العامة التي يعيشها في السلم، وتسهم بالتالي في تفكيكه ومن ثم إعادة بنائه، اجتماعياً وسياسياً على نحو مخالف. والحرب هي تدخل مادي، دموي. وفي أيامنا هذه، فالمدنيون أضحوا الضحايا الرئيسيين في الحروب، والهدف هو تدميرهم على نحو كلي. ولذا، فإنّ ميدان التدمير هذا واسع وعريض؛ والاعتداءات الجنسية ليست محدودة جغرافياً، بل نراها في السجون وفي البراري وفي المعسكرات وفي الغابات وفي الحقول... الاعتداءات الجنسية تتم أيضاً في أثناء تهجير المدنيين، قسرياً كان ذلك أو اختيارياً. لذا، فإن العنف الجنسي تجاه الآخر، العدو أو الخصم، هو عمل جماعي. الحرب في أيامنا هذه، يقول الكاتب، لم تعد معارك بين جنود، ومسألة عدد القتلى والمصابين في الطرفين، ومسألة منتصر ومهزوم. وجب النظر إلى نتاج الحرب في مجموعها، أي في ساحات المعارك وفي نتائجها الاجتماعية. وضمن هذا الإطار، وجب النظر إلى الاعتداءات الجنسية في الحروب، وعلى الذكور على نحو خاص. الجسد ــ يسجل الكاتب ـــ شيء خاص بالفرد، يشكله كما يريد ويطوره. هو يعكس شخصية الفرد، ولذا فإنه لازمة مستمرة، وانتهاكه، بالتالي، هو انتهاك للروح وللنفسية. هدف الاعتداءات الجنسية على الذكور تدمير الشخصية والفرادية، عبر تحقير الجسد الذي تم اختراقه، إما جنسياً على نحو مباشر أو عبر أدوات يستعملها الجاني لاختراقه، أو تشويهه بالبتر أو الجرح أو العرض وما إلى ذلك. يذكر الكاتب أنه لاقى استنكار زملائه الأكاديميين عندما قرر بحث الموضوع لأنه، في ظنهم مادة لا تستحق النظر فيها. لكنه قرر المضي قدماً لأسباب عديدة أهمها أن المادة لم تخضع بعد للبحث والتمحص. هكذا خرج بمؤلف ريادي مهم، خصوصاً أننا نعيش في خضم حروب لا نهاية لها ونعايش فظائعها في المناحي كافة.