بدأت في كتابة «جبل العنز» في باجة، وهي مدينة صغيرة تقع في شمال غربي تونس. كان قد تم تعييني قبل عامين، وبعد تخرجي مدرساً للغة والأدب العربي في إحدى مدارسها الثانوية. وكنت سعيداً بعودتي إلى مكان قريب من الريف الذي قضيت فيها كل طفولتي وجزءاً من مراهقتي بعد عشرة أعوام في العاصمة.


أذكر أنني كتبت عدداً من صفحاتها الأولى بقلم رصاص على سريري في غرفة النوم إذ لم يكن لديّ مكتب آنذاك. ومنذ البداية كنت على يقين من أنها رواية وليست قصة قصيرة. في تلك الفترة من أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، لم تكن كتابة الرواية في تونس رائجة. أغلب الكتاب يتهيّبون ذلك. وكنا ننظر إلى الذين يكتبون الرواية بإعجاب. وبالطبع كانوا هم يسمون أنفسهم روائيين بالرغم من أن أغلبهم كتب رواية واحدة أو اثنتين ثم عاد إلى كتابة القصة أو توقف أصلاً عن الكتابة.
كان قد مضى وقت قصير على قراءتي بالفرنسية رواية «مائة عام من العزلة» لغابريال غارسيا ماركيز عندما شرعت في كتابة «جبل العنز». لم أكتشف الرواية في الصحافة العربية (أعتقد أنها لم تكن مترجمة آنذاك إلى العربية) وإنما في مقال عنها نشر في ملحق الكتب في جريدة «لوموند» الفرنسية الذي يصدر كل يوم جمعة. وقد كنت مواظباً على قراءته.
كانت هناك مكتبة لا تبيع إلا الكتب الفرنسية في مدينة تونس وتحديداً في شارع الحبيب ثامر. كنت أتردد عليها. ولأن معظم هذه الكتب مستوردة من فرنسا فقد كانت باهظة الثمن بالنسبة لمدرس مثلي قادم من الريف.
ذات يوم بينما كنت أتصفح الكتب في المكتبة وقعت عيناي على «مائة عام من العزلة» في ترجمتها الفرنسية الصادرة عن دار «سوي». أذكر جيداً غلاف تلك الطبعة الأولى. التفت حولي. وحين صرت واثقاً من أن البائع منشغل في أمر ما أمسكت بالرواية ودسستها تحت قميصي وخرجت. وكان ذلك أول وآخر كتاب أسرقه من مكتبة تجارية.
هل كنت سأكتب «جبل العنز» لو لم أقرأ «مائة عام من العزلة»؟ لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني انبهرت بالرواية حتى أنني حفظت دون أن أقصد ذلك نصف صفحتها الأولى عن ظهر قلب منذ القراءة الثانية. وأنا لا أزال إلى حد الآن أحفظ السطور الأولى منها. كتبت روايتي دفعة واحدة وفي فترة قصيرة. إنها المرة الوحيدة التي حدث لي فيها هذا فأنا كاتب بطيء ولا يزعجني هذا البطء إطلاقاً بل إنني ألتذّ به. إنه يتيح لي المجال للتفكير والتأمل أثناء الكتابة. لكل كاتب إيقاعه الخاص. أعتقد أن ثمة جانباً جسدياً فيزيولوجياً في فعل الكتابة. كل كاتب يكتب مثلما يتنفس أو يتعرّق. أحب أن أنتظر الكلمات.


في بغداد التقيت جبرا ابراهيم
جبرا وسلّمته المخطوط كي يُبدي رأيه فيه، وبعد فترة وصلتني منه رسالة يشيد بالرواية
أترك لها ما يكفيها من الوقت لكي تأتي. وحين تجيء بسرعة أرتبك. أشعر كما لو أنها هي التي تسيطر عليّ وتحملني إلى ما لا أريد أن أذهب إليه بالضرورة. اللغة فاتنة ومغرية وخطرة. لذا لا بد من أن نتمهل وأن نتعامل معها بحذر شديد. لا أحب هذا الاستسلام الغنائي «الطربي» للغة الذي يسميه البعض شعراً. الشعر يلمّح ويوحي. أما الرواية فهي تسمّي. ولكي تسمّي لا بد من أن تكون اللغة دقيقة وصارمة ومتقشفة وأكاد أقول باردة. لا بد أن تعبر فقط عن اللحظة الطازجة التي نود أن نلتقطها فالروائي هو بمعنى ما صياد لحظات. وعلى أي حال أنا أؤمن بأن الشعر في الرواية يختلف تماماً عن الشعر في القصيدة. الشعر في الرواية يأتي من عتمة الدراما وخباياها ومن الطريقة التي تنتظم بها الأحداث ومن طبائع الشخصيات ومن المفارقات ذات الدلالة ومن المناخات التي يتمكن الروائي من إشاعتها في النص وليس من هذه اللغة «الفضفاضة» التي تحاول تقليد لغة القصيدة دون أن تنجح في ذلك في معظم الأحيان. طوال أعوام لم أعُد إلى الرواية. ليس هناك سبب واضح لذلك. انهمكت من جديد في كتابة القصة القصيرة. وبعد انتقالي إلى باريس للإقامة فيها أخرجتها من صندوق كنت أحتفظ فيه بالنصوص التي لم أنشرها. وشرعت في كتابتها على آلة كاتبة. لم أغير فيها كثيراً. و بالرغم من قصرها فقد حذفت منها بعض الفقرات. وأنا لست نادماً على ذلك. لم أهتم إطلاقا بمسألة الطول لأنني لا أقيس جنس الرواية بالطول وإنما بإيقاعها الداخلي. هناك روايات قصيرة مهمة جداً («عرس الزين» للطيب صالح أو «بيدرو بارامو» لخوان رولفو). لم تكن تشغلني وأنا أكتبها قضية ما. كنت داخل الحكاية. وكنت منتشياً بذلك إلى درجة أنني كنت لا أريد أن أرى شيئا آخر. وعلى أي حال أنا كاتب يؤمن بأن الأدب يبرر ذاته ويكتفي بها ولا يحتاج إلى ما يأتي من خارجه ليمنحه مشروعية ما. كل ما كان يهمني هو أن أظل داخل الحكاية التي كانت تحرضني باستمرار على أن أواصل الكتابة. ومنذ البداية وجدت العنوان. وخلال الفترة التي كتبتها فيها والأعوام التي هجرتها فيها لم يخطر ببالي حتى أن أبحث لها عن عنوان آخر. لم أتساءل أبداً عما إذا كان العنوان مناسباً لها. لم يحدث لي هذا أبداً في ما بعد مع رواياتي الأخرى. كأن الأمر كان بديهياً. كأنه كان لا بد أن تسمى «جبل العنز».
وفي إحدى زياراتي إلى بغداد التقيت بجبرا ابراهيم جبرا الذي كنت مثل الكثير من كتاب جيلي في تونس معجباً به بعد قراءتنا لكتابه «الحرية والطوفان»، وترجمته لرواية «الصخب والعنف» لوليم فوكنر الذي لم نكن نعرف عنه شيئاً خلافاً لأرنست همنغواي. سلّمته المخطوط وطلبت منه أن يقرأه ويُبدي رأيه فيه إن وجد وقتاً لذلك. وما كنت لأجرؤ على هذا لو لم أسمع أن جبرا رجل طيب ولطيف ومهذب ويشجع الشباب. بعد فترة وصلتني منه رسالة يشيد فيها بالرواية. وعندما طلبت منه أن أنشر ما كتبه في الرسالة قال لي إنه كتب الكلمة خصيصاً لكي أنشرها على الغلاف. ولم يكتف بهذا فقد نصح الناشر ماهر الكيالي بإصدارها. وصدرت الرواية في طبعتها الأولى عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت وعلى غلافها كلمة جبرا. لقد كنت محظوظاً حقاً فصدور رواية لكاتب تونسي مغمور عن دار معروفة في بيروت مع إشادة من جبرا لم يكن أمراً مألوفاً. وفي ما بعد صدرت في القاهرة وفي تونس. ومن المفترض أن تصدر قريباً في طبعة جديدة في تونس.
لم أعد إلى قراءتها كاملة منذ صدورها إلا مرة واحدة. كنت مرغماً على ذلك لمراجعة الترجمة الفرنسية. وهذا لا يعني أنها لم تعد تمثل لي شيئاً وإنما لأنها تنتمي إلى ماض يزداد إيغالاً في البعد كلما تقدمت في السن وفي التجربة. وأنا لا أحب الحنين إلى الماضي. أفضّل النظر إلى الأمام على الالتفات إلى الخلف. ليست لديّ منها نسخ إذ أنني لست من الكتاب المولعين بالاحتفاظ بكتبهم في البيت.
أعرف أنها توجد في مكتبات خاصة أو عامة في العالم العربي وأوروبا وأميركا. ومؤخراً اكتشفت أنها موجودة مثل أغلب رواياتي في المكتبة الوطنية وفي مكتبات عامة في أستراليا. لعلها تقبع الآن مهملة على رف ما. ولعل طبقة خفيفة من الغبار تكسو غلافها. ومن يدري لعل قارئاً من الجاليات العربية المقيمة في هذا البلد النائي يقلّب في لامبالاة صفحاتها أو يتطلع إلى صورة غلافها أو... يقرأها.