لم تغير سنة 2014 الكثير بالنسبة إلى الساحة الإعلامية الجزائرية، عدا تماهيها في الضبابية. إضافة إلى عدم صدور قانون ينظّم الإعلانات، جاءت «سلطة ضبط السمعي البصري» بمصطلحات مطاطية كثيرة على شاكلة «عدم المساس بالأمن القومي»، ناهيك عن أنّ القنوات التلفزيونية الخاصة أصبحت نسخة طبق الأصل، بل هناك من يرى أن حرية التعبير في الجزائر ضاقت أكثر فأكثر.


بلغت القنوات الجزائرية الخاصة حتى الآن 17 قناة، إضافة إلى قناتين متخصصتين، هما «جرجرة» للأطفال و»سميرة» للطبخ. ولعل الساحة الإعلامية الجديدة أفرزت معادلة جديدة: كل جريدة ورقية فتحت لها قناة تلفزيونية. هكذا، أصبح الفضاء الإعلامي الجديد «بريستيج» للتباهي بفتح قناة من دون معرفة كيفية إدارتها ولا الإلمام بأبجديات العمل الإعلامي الموضوعي، ناهيك عن الضبابية بشأن مصادر تمويل القناة. وحتى التشريعات المنظمة للقطاع لم تكتمل بعد، فـ «سلطة ضبط السمعي البصري» أنشئت عام 2014 وعيِّن على رأسها ميلود شرفي، فيما استغرب الكثير من الإعلاميين المعروفين أمر تعيينه، خصوصاً أنه لا يفقه شيئاً في الإعلام. ولأنّ الضبابية تسيطر على قطاع الإعلام في الجزائر، فقد أقدمت السلطات على غلق وتشميع مقر قناة «الأطلس» ومصادرة أجهزتها ومعداتها بداعي المساس بالأمن القومي.
سنة 2014 جلبت معها وزيراً جديداً للاتصال. إنه رجل إعلامي وكاتب معروف هو حميد قرين. استبشر المنتمون للقطاع خيراً بهذا التغيير، لكن يبدو أن كرسي المسؤولية مختلف! وفي هذه السنة، تم تحديد يوم 22 تشرين الأول (أكتوبر) من كل سنة يوماً وطنياً للصحافة في انتظار وضع ترسانة قانونية كفيلة بحماية الممارسة الإعلامية عموماً، وخصوصاً الصحافي وتمكينه من أداء مهماته على أكمل وجه. وتم الإعلان «بطاقة الصحافي» وتقديم 800 بطاقة صحافي محترف من بين 1800 ملف طلب أودعت لدى اللجنة الموقتة المعنية بتسليم هذه البطاقة.
شهد عام 2014 أيضاً امتناع مطبعة حكومية في الجزائر عن طبع 8 صحف يومية بسبب عدم دفعها ديونها المالية. لكن الصحف ترى في القضية بعداً سياسياً يرتبط بمواقف هذه الصحف من ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة في انتخابات نيسان (أبريل) الماضي. وحظرت المطبعة الحكومية طبع صحف «الفجر» و»الأجواء»، و»جزائر نيوز» الناطقة باللغة العربية، و»جزائر نيوز» الناطقة باللغة الفرنسية، و»الوسيط المغاربي»، و»الأمة» الناطقة باللغة الفرنسية و»الحرية». هذا الأمر دفع بعضها الى إقالة عدد من الصحافيين والعمال، أو التحول إلى الطبعة الأسبوعية، كما فعلت صحيفة «الجزائر نيوز»، خصوصاً بعدما قطعت المساعدات الحكومية عنها، أو التحوّل إلى النشر الإلكتروني. وتصدر في الجزائر 135 صحيفة، منها 79 باللغة العربية، و58 باللغة الفرنسية. لكن أغلبها موالية للسلطة، وكانت تستفيد لسنوات من المساعدات الحكومية التي تحتكر توزيعها وكالة حكومية.
أهم ما ميّز عام 2014 أيضاً هو تضييق السلطة على جريدة «الخبر» بمنعها من الحصول على إعلانات المعلنين الكبار. أثار هذا الفعل شجب العديد الجهات التي اعتبرته محاولة لـ»وأد الديمقراطية والقلم الحر في الجزائر». فحرمان الصحف من الإشهار هو خرق للقانون ومساس بحرية التعبير ومساواة المواطنين أمام المرفق العام في ظل عدم صدور قانون للإعلانات ينص على تسيير شفاف ويضع المعايير القانونية لتوزيع حصة الإعلانات، سواء في القطاعين العام أو الخاص. وتستغل السلطة الإعلان كوسيلة للضغط على حرية التعبير، فيكون توزيعه خاضعاً بحسب خط كل جريدة.
وتقدمت الجزائر بأربع مراتب في مؤشر «مراسلون بلا حدود» لحرية التعبير والصحافة لعام 2014، فوضعت في المرتبة 121، ضمن التصنيف العالمي المكون من 180 دولة، بعدما كانت في المرتبة 125 عام 2013. لكن تبقى الجزائر في الخانة «الحمراء» ضمن خريطة العالم لحرية الصحافة. ما يعني أن وضع حرية الصحافة في البلاد لم يتغير، رغم الإجراءات التي قامت بها الحكومة، بعد التصديق على قانون الإعلام الجديد، ثم إنشاء «سلطة الضبط للقطاع السمعي البصري». كما دانت «مراسلون بلا حدود»، تعامل السلطة مع تظاهرات سبقت الانتخابات الرئاسية واعتقال ناشطين وصحافيين محليين والتضييق على مجال تحرك الصحافيين الأجانب الذين حضروا لتغطية الانتخابات. وفسر تقرير «مراسلون بلا حدود» سبب التراجع بما أسماه «التأويل المفرط لمفهوم حماية الأمن القومي على حساب الحق في المعلومة وتلقيها»، واعتبر ذلك تهديداً لحرية الإعلام.
أخيراً، فقدت الأسرة الإعلامية واحداً من كبار مصوريها الصحافيين: إنّه الحاج علي بوطيبة. التحق الأخير بجريدة «لاريبوبليك» مباشرة بعد تأسيسها عام 1963، فأمضى فيها 40 سنة متنقلاً بين المدن والدول، وشاهداً على التغيرات التي عاشتها الجزائر منذ استقلالها. واشتهر المرحوم بالصورة التاريخية التي التقطها لتشي غيفارا أثناء زيارته وهران عام 1963. انطفأ أيضاً الصحافي عبد القيوم بوكعباش. خلال حياته المهنية، عيّن الراحل في منصب مدير الإذاعة الوطنية ومدير عام جريدة «النصر». وهو يعد من أوائل مقدمي نشرة أخبار الثامنة في التلفزة الوطنية مباشرة بعد الاستقلال. كما فقدت الساحة الإعلامية الصحافي ومدير قناة «نوميديا نيوز» سامر الرياض الذي تنقّل بين صحف جزائرية عدة كـ «الفجر»، «الشروق»، «الخبر».