أحداث كثيرة رسمت واقع الإعلام الأجنبي وأداءه خلال 2014، بعضها محلّي وبعضها الآخر مرتبط بالتطوّارت في الشرق الأوسط. الأكيد أنّ الإعلام الأجنبي لا يتنبّه إلى الخطر إلا عندما تقترب النار منه. قبل أن تُقفل الحرب السورية الباب على عامها الثالث، «اكتشف» هذا الإعلام في أيلول (سبتمبر) 2013 الهمجية في سوريا حين أقرّ بـ«بشاعة الجرائم التي ترتكبها الجماعات المسلحة» هناك، مُبعداً أصابع الاتهام للمرّة الأولى عن النظام.


وفي تموز (يوليو) 2014، اكتشف الإعلام نفسه أنّ في غزّة أطفالاً يموتون. حقيقة لم يتوصّل إليها إلا بعد «مجزرة الشاطئ»، التي حصلت أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع المحاصر، وتحديداً بالقرب من فندق «الديرة»، وراح ضحيتها أربعة أطفال من عائلة «بكر» أثناء «جرأتهم» على اللهو. المشهد حصل على مرأى من عدد كبير من الصحافيين الأجانب، الذين كانوا في الفندق، حيث أقاموا أثناء تغطيتهم للعدوان. هكذا، راح هؤلاء يروون تفاصيل المشهد المأسوي في مقالاتهم أو تقاريرهم المصوّرة.
بعد شهر تقريباً، تكرّر المشهد نفسه مع بعض الاختلافات، ما أثبت لجوء هذا الإعلام إلى ساسية «الكيل بمكيالين». صحيح أنّ المسرح كان سورياً أيضاً، غير أنّ الخطر الذي يستشعره المجتمع الدولي يتعلّق بـ«الدولة الإسلامية» تحديداً، بعد إقدام التنظيم الإرهابي على إعدام الصحافي الأميركي جايمس فولي (الصورة)، موثّقاً العملية بالصوت والصورة. جريمة «نفضت» العالم على صعد عدّة أهمّها «الأخلاقيات» الإعلامية، وأحدثت بلبلة كبيرة في مختلف الوسائل الإعلامية لجهة نشر الفيديو (4:40 دقائق) ومشاركته على يوتيوب والسوشال ميديا. بلبلة انسحبت على جرائم مشابهة لكن بدرجة أخف؛ مثل إعدام «داعش» لعامل الإغاثة البريطاني آلن هينينغ، والأميركي بيتر كاسيغ، وغيرهما.
لم يقتصر انشغال الإعلام الأجنبي بـ«داعش» وأخواته على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى نواحٍ أخرى. فقد ترافقت محاولة التنظيم التمدّد في المنطقة مع خطة إعلامية متكاملة ومعقدة للدعاية والبحث عن مجندين جدّد، وعلى رأسهم نساء. خطة يتركّز جزء كبير منها على السوشال ميديا، ما دفع وزارة الخارجية الأميركية بدورها إلى شنّ حملة مضادة افتراضية بمساعدة المؤسسات الإعلامية.
على الضفة الأخرى، يمكن القول إنّ التسريبات كانت أحد العناوين الرئيسية خلال العام الماضي. البداية، كانت مع تسريب عدد هائل من الصور الخاصة التي تصوّر مجموعة كبيرة من النجمات الأجنبيات وهنّ عاريات، بعد اختراق حسابهن على خدمة iCloud photo streaming التابعة لشركة «آبل». نجمات بينهن جنيفر لورانس، وكيم كارداشيان، وأماندا باينز، وكريستينا أغيليرا، وآريانا غراندي... فشل نظام «آبل» الدفاعي الخاص والشخصي أمام قدرات الهاكرز، وضعها أمام أسئلة جوهرية تتعلّق بحماية خصوصية المستخدمين.
رغم الضرر والضجة الكبيرين اللذين أحدثتهما هذه التسريبات، إلا أنّ الحصة الكبرى كانت من نصيب شركة «سوني بيكتشرز إنترتاينمنت» التي تعرّض بريدها الإلكتروني الداخلي للقرصنة قبل فترة، ما أدى إلى نشر وثائق وبيانات سرية، وساهم في تحميل أفلام جديدة على الإنترنت بينها Fury لدايفد آير. التسريبات ألحقت ضرراً مادياً كبيراً بالشركة، كما أوقعتها في ورطة مع مشاهير طاولتهم التسريبات، منهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، والممثلة أنجلينا جولي. واليوم، ما زالت التحقيقات جارية لمعرفة من يقف وراء ذلك.
في سياق منفصل، كان لافتاً، لكن ليس مستغرباً، الانحياز السافر الذي أظهرته وسائل الإعلام الأميركية المهيمنة (أو الـ Mainstream) في تغطيتها لقضية منع القضاء الأميركي محاكمة الشرطي دارين ويلسون إثر قتله الشاب الأسود مايكل براون في مدينة فيرغسون (ميسوري)، ثم منع المحاكمة أيضاً عن شرطي في نيويورك هو دانيال بانتاليو الذي قتل خنقاً شاباً أسود آخر هو اريك غارنر.
كذلك، أثار التقرير الصادر عن اللجنة الأمنية في الكونغرس الأميركي الذي كشف عن التعذيب والممارسات التي لجأت إليها «وكالة الاستخبارات الأميركية» بعد أحداث 11 أيلول ضجة إعلامية كبيرة. لكن معظم وسائل الإعلام الأميركية اتجهت، كما النظام، إلى تحميل الـ CIA العبء وحيدةً.
أوسترالياً، برزت منتصف الشهر الماضي طريقة تعاطي الإعلام هناك مع العملية الدقيقة التي خاضتها السلطات الأمنية لتحرير الرهائن المحتجزين في مقهى «لينت» في ساحة «مارتين» في سيدني. استنفرت وسائل الإعلام المحلية لتغطية الحدث الذي انتهى بمقتل ثلاثة أشخاص، أحدهم محتجز الرهائن الإيراني هارون مؤنس. وبرغم شهية المشاهدين المفتوحة لمعرفة حيثيات القضية، التزمت المؤسسات تعليمات القوى الأمنية وأجّلت إعلان التفاصيل، معطيةً بذلك دروساً في «أخلاقيات» المهنة.
بعيداً من السياسة والأمن والتسريبات، وفيما كان متوقعاً أن يشغل زواج «برانجلينا» وسائل الإعلام حول العالم، خطف زواج آخر الأنظار. تزوّج النجم الهوليوودي جورج كلوني بالمحامية اللبنانية ــ البريطانية أمل علم الدين. «مراسم» العرس الذي احتضنته البندقية على مدى أربعة أيّام جذبت إعلاميين من كل أصقاع الأرض، خصوصاً أنّه تضمّن حفلات كوكتيل إلى جانب حمامات السباحة، وعشوات في فنادق خمس نجوم، إضافة إلى حفل استقبال فائق الفخامة على القناة الكبرى في «المدينة العائمة» بحضور 136 مدعواً. «الهوس» الإعلامي طاول فساتين العروس وأزياء المدعوين، والأهم كلفة الحدث الذي وُصف بـ«الكرنفال».