تصلح عبارة «حراك في مجال الفنون البصرية» عنواناً كبيراً للسنة المنصرمة في المغرب. شهد عام 2014 حدثاً تاريخياً هو إنشاء أول متحف للفن المعاصر والحديث في المملكة، بعد أكثر من خمسين سنة من الاستقلال. ولو أن المؤسسة الحديثة، تفتقر إلى مجموعتها الخاصة وتجنح إلى الطابع الرسمي، إلا أنها تظل النقطة الأولى في ترسيخ الثقافة البصرية في الحياة العامة المغربية.


افتتاح المؤسسة أثار بعض الجدل في صفوف المتابعين، وخصوصاً لجهة طريقة الإعلان عنه بفيلم قصير أنجزه المخرج نور الدين الخماري، كما منعت بعض الأعمال من العرض خلال الافتتاح، من بينها «في مواجهة الصمت» للفنان منير فاطمي الذي أنجزه عن شهيد اليسار المغربي المهدي بن بركة.
معرض آخر جاء بعد افتتاح المتحف بأيام قليلة، لم يخل هو الآخر من جدل، لكنه مثّل أكبر حدث تشكيلي في المغرب، برغم حدوثه في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، في باريس تحديداً. شهدت العاصمة الفرنسية معرضاً جماعياً للفنانين المغاربة في «معهد العالم العربي». المؤسسة نظمت المعرض الذي ضم أكثر من ثمانين فناناً مغربياً، من أجيال مختلفة، بينما أداره وأشرف عليه المغربي موليم العروسي والفرنسي جان هوبير مارتان. خضع المنقبان عن الأعمال الفنية لضغط شديد قبل انطلاق المعرض، من طرف منظمات تَعدّ نفسها المدافع عن التشكيل المغربي، وشككت في لائحة الفنانين قبل الإعلان عنها.

يبقى «مهرجان مراكش الدولي للسينما» أحد أبرز الأحداث الثقافية
غير أن المنظمين أصروا على خياراتهم. أما الحصيلة؛ فمعرض متميز، عكس تنوع الفضاء التشكيلي المغربي، وجاء انتصاراً للأسماء الجديدة، المتحدرة من مدن بعيدة عن دور العرض وشبكاتها. وتظل السلبية الوحيدة للحدث الذي نظمه المعهد، خيمة تقليدية نصبت على مدخل المؤسسة، أفقدت شيئاً من طابع المعرض «المعاصر».
من الأعمال الأساسية التي قدمت في معرض باريس، لوحات فريد بلكاهية، التي تسكن في مدينة «النحاس»، وتستدعي الأنوثة والذكورة عبر رموز بصرية طورها الفنان الراحل لعقود، لكن الحياة لم تمهل بلكاهية لحضور معرضه، إذ خطفه الموت، ليترك مكاناً مهماً في التشكيل المغربي. في السينما مثّل الحدث الأبرز خروج نور الدين الصايل من إدارة «المركز السينمائي المغربي». عُرف الرجل بمواقفه القوية في الوزارة التي يرأسها الإسلامي مصطفى الخلفي، ودوره الكبير في إعادة الحياة للسينما المغربية خلال العقد الأخير، من خلال سياسة الدعم للإنتاجات السينمائية المغربية، أو محاولة إحياء صالات السينما التي أنهكتها السنوات الأخيرة، وجعلت العشرات منها تُحتضَر. خلف صارم الفاسي الفهري، المقرب من وزير الاتصال الصايل، وعليه أن يدبر المرحلة الجديدة من السينما المغربية. سينما تعرف حراكاً، إذ أنتجت عشرات الأفلام، بينما يحضر أبرز أبنائها أفلامهم. فوزي بنسعيدي، ونبيل عيوش، ونور الدين الخماري، وآخرون حصلوا على دعم المركز، ويدخلون مغامرة تصوير أفلامهم الجديدة خلال هذه الأشهر.
السينما شهدت تنظيم العشرات من المهرجانات خلال السنة، يبقى أبرزها «مهرجان مراكش الدولي للسينما». مهرجان يصفه بعضهم بالتقليد الشاحب لـ «مهرجان كان السينمائي»، فيما يراه آخرون الطريقة المثلى لتسويق الصورة المغربية، و«بيع» استديوهات لآخر الإنتاجات السينمائية الدولية. الإنتاجات الأجنبية المصورة في المغرب تضاعفت خلال سنة بنسبة 40%، وكان أبرزها تصوير الجزء الخامس من فيلم «مهمة مستحيلة»، الذي يؤدي بطولته النجم الأميركي توم كروز، كما أن «باتمان vs سوبرمان» الذي يعد أحد أضخم الإنتاجات الدولية كان سيصور في المغرب، قبل نقله إلى المكسيك بسبب مخاوف فريق التصوير من انتشار فيروس الإيبولا، لكن السنة السينمائية انتهت بحادث مؤسف هو رحيل واحد من أبرز أبناء السينما المغربية النجم محمد بسطاوي. في الموسيقى شهدت السنة عودة موسيقى تمجيد الملك. الغريب أنّ مؤلفاً اسمه مصعب العنزي أطلق عملاً سمّاه «الملحمة». العنزي الذي يبدو أنّه حصل على الجنسية المغربية قبل مدة، جمع عشرات الفنانين المغاربة في أغنية لا قيمة فنية لها، لا على مستوى الألحان ولا الكلمات، فنالت نصيبها من انتقادات المتتبعين.
«مهرجان موازين» نظم في دورة أخرى، وكانت الحصيلة نفسها: عشرات النجوم الغربيين والعرب، وميزانية ضخمة لا تُعلَن، في وقت تواجه فيه المهرجانات الموسيقية الأخرى شحاً في الموارد. موسيقى الجاز كان لها أكثر من مهرجان، بينما ظلت الموسيقى المغربية التقليدية، كعادتها محصورة في أحداث مرتجلة عنوانها العريض: إفراغ الإرث الموسيقي المغربي الشعبي من حمولته وتحويله إلى فولكلور.
في الأدب والموسيقى والفنون البصرية، كان الحراك الأكبر لمبادرات شخصية وجماعية أبطالها فنانون ومثقفون رأسمالهم الوحيد حب الثقافة. نظموا أحداثاً مختلفة، كان لها صداها وحضورها في الخريطة الثقافية الوطنية. هكذا، أنجزت جمعية «جذور» التي ترأسها دنيا بنسليمان وعادل السعدني دراسة مميزة هي «الحالة العامة للثقافة في المغرب». الدراسة التي كان من شركائها وزارة الثقافة، رصدت وضع الثقافة المغربية ومؤسساتها على مدى سنة تقريباً، عبر لقاءات مع عشرات الفاعلين الثقافيين في المغرب وزيارات ميدانية. النتيجة خارطة ترسم معالم الفضاءات الثقافية، وتمثل مرجعاً للباحثين والناشطين الثقافيين المغاربة.