لن يتوقف البحث في تداعيات الأزمة السورية على لبنان قريباً. ينصبّ تركيز غالبية المعنيين على جوانب من التداعيات بعيداً من المشهد الكلّي؛ الغالبية تركّز على الأثر السلبي للنازحين السوريين على الاقتصاد، ويغفل الباقون حقيقة الأثر الإيجابي وحجمه الفعلي. أما المقاربة الرسمية لهذه المسألة، فقد تركتها حكومة لبنان بين يدي البنك الدولي الذي ذهب في اتجاه نظرة «محاسباتية» أدّت إلى تسعير الشعور العنصري ضدّ السوريين... فكيف يبدو المشهد الكلّي وما هي المفاعيل الحقيقية لوجود النازحين على أرض لبنان؟


نظرة البنك الدولي

قبل أيام عرض البنك الدولي أمام طلاب كلية إدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية الأميركية النشرة الفصلية التي يصدرها عن الاقتصاد اللبناني. خبراء البنك قدّموا للطلاب نتائج خريف 2014، مشيرين إلى أن لبنان هو المضيف الأكبر للنازحين السوريين الذين بلغ عددهم 1.2 مليون سوري، وأن الهدوء الأمني خلال منتصف 2014 أسهم في إنعاش قطاعات تضاءل نشاطها بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية وهي السياحة والتجارة والعقارات. وتظهر النشرة أن العجز في الحساب الجاري ما زال مرتفعاً ولكن نسبته تبقى أدنى من تلك التي سجلت ما قبل الأزمة، وأن التدفقات الرأسمالية التي يعتمد عليها لبنان لتغطية حاجات ميزان المدفوعات ما زالت ناشطة وأن قسماً منها سببه المساعدات الخارجية المخصصة للنازحين السوريين.
ويضيف التقرير أن الوضع المالي في لبنان يستمر بالتدهور إلى توقعات بتوسّع العجز ليبلغ 10.2% من الناتج الاجمالي المحلي في 2014، مقارنة بـ 9.4 عام 2013، وأن تصبح نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 149% مقارنة بـ143.1% في نهاية 2013. كذلك، تبيّن أن «الجمود السياسي وتداعيات الصراعات الإقليمية يحدّان من قدرة الاقتصاد على النمو إذا تفاقمت الاوضاع».
وتعيد النشرة التذكير بأن الاقتصاد اللبناني تكبد 7.5 مليار دولار بسبب تداعيات الأزمة السورية التي وضعت ضغطاً على المالية العامة وعلى القطاعات وعلى الخدمات العامة...

تضخيم وعنصرية

بعد هذا العرض، جرى نقاش بين الطلاب وخبراء البنك الدولي، تلاه تدخل رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة غسان ديبة مشيراً إلى عدم دقّة أرقام البنك الدولي وإغفاله الأثر الإيجابي لوجود النازحين. وقال لـ«الأخبار» إن هناك ثلاثة عناصر أساسية تطمس في سياق التعاطي مع تداعيات الأزمة السورية والنزوح إلى لبنان: «هناك إيجابيات اقتصادية لوجود هذه الأعداد من النازحين، وهناك تضخيم للأرقام السلبية، فضلاً عن استعمال خاطئ للأرقام الصادرة عن البنك الدولي بما يؤجج العنصرية ضدّ النازحين».

العمالة السورية
تنفق الدخل الذي تنتجه في
السوق اللبنانية

إذاً، في رأي ديبة إن الطبقة الوسطى السورية التي نزحت إلى لبنان زادت الطلب على الاستهلاك نتيجة الإنفاق الذي تقوم به سواء من مدخراتها مباشرة أم من خلال تمويل المنظمات الدولية.
كذلك فإن العمالة السورية تنفق الدخل الذي تنتجه في السوق اللبنانية خلافاً لما كان يحصل خلال فترات سابقة عندما كانت العمالة تحوّل الأموال المنتجة في لبنان إلى سوريا.
وتبيّن أن «السوق المحلية لجأت إلى المنتجات المحلية بدلاً من المنتجات والسلع التي كانت تحصل عليها من المصانع السورية، وهذا الأمر أدّى إلى تنشيط الصناعة المحلية». ويلفت ديبة إلى أن البنك الدولي يضخّم السلبيات الناتجة من وجود النازحين السوريين في لبنان. «فمن البديهي أن ارتفاع اعداد الفقراء بنحو 170 ألفاً هو أمر غير منطقي، وكذلك بالنسبة لأرقام البنك الدولي عن ارتفاع معدلات البطالة من 10% إلى 20%... هذه الأرقام غير دقيقة فهناك مئات ملايين الدولارات التي يصرفها النازحون في لبنان، ولا يجب أن ننظر إلى الأمر من وجهة محاسبية فقط لأن البنية التحتية في لبنان ليست بخير أصلاً.
الرقم الذي جمع عن الكلفة على اقتصاد لبنان بقيمة 7.5 مليار دولار مضخّم وغير علمي وهو يستعمل خطأ في الإعلام لتلهيب الشعور العنصري ضد السوريين. هذا المبلغ ليس أكلافاً نقدية دفعها اللبنانيون للسوريين».

المفاعيل الأولية والثانوية

في هذا السياق، يبني الوزير السابق شربل نحاس مقاربته لتداعيات الأزمة السورية على أساس التمييز بين مفاعيل أولية وثانوية لتقييم حجم الفوائد والضرر اللاحق بالاقتصاد. وهو يرى أن أحد أبرز تداعيات الأزمة هي تلك المتصلة بالتصدير والنقل البري «وهذا أمر كافٍ لضرب اقتصاد بلد. صحيح أن هناك منافع ثانوية محدودة من الأزمة لكن الضرر هائل وكبير. ليس هناك توازن بين الاثنين».
فإلى جانب تحفيز الطلب الداخلي وزيادة الاعتماد على المنتجات المحلية بدلاً من المنتجات التي كانت تأتي من سوريا، أصبح مطار بيروت الدولي يوفّر النقل الجوي للسوريين، فيما مرفأ بيروت يعدّ أقرب طريق إلى الشام...
وبما أن مشكلة اقتصاد لبنان لم تكن متعلقة يوماً بالطاقات الإنتاجية، فإن مفاعيل تدفقات النازحين إلى سوق العمل هي أكبر بكثير من مفاعيل تدفقاتهم النقدية إلى السوق المحلية، سواء كانت هذه التدفقات هي مدخراتهم، أو مساعدات أممية لمساعدتهم، أو بواسطة جهات خاصة مهما كان شكلها ونوعها. وبالتالي يجب قياس تأثير حجم هذه التدفقات في ظل المعادلة المذكورة. «لو أن لبنان بحاجة إلى العمالة الزراعية والصناعية لكانت مفاعيل وجود العمالة السورية المكوّنة من الأسر النازحة تعد مكسباً. إلا أن الإنتاج في لبنان ليس معطّلاً بسبب نقص العمالة، فعلى الأرجح أن التدفقات البشرية لن تغطّي النقص في الموارد المتاحة للإنتاج المحلي، إنما على الأغلب ستأخذ محل عمالة لبنان من الفئة نفسها، أي الفقراء، أو حلولها محل عمالة أجنبية موجودة في لبنان».
هكذا تبدو الصورة لنحاس. هو يرى أن «الظاهرة الطاغية هي الاستبدال في سوق العمالة وليس الاستكمال. صحيح أن التدفقات البشرية زادت الطلب الاستهلاكي، لكن هذا الأمر لا يمكن تصنيفه سوى في إطار المفاعيل الثانوية وتنشيط بعض أنواع الاستهلاك، علماً بأن الحلقات التجارية استفادت من هذه الزيادة فيما استفادت بعض الحلقات الاقتصادية من عملية استبدال العمالة (عمالة سورية أرخص)، لكن مفاعيل هذا المشهد على توزّع الدخل والقدرة الإنتاجية ومداخيل المقيمين في لبنان هو مختلف تماماً لأنه الاستبدال سيؤدي عملياً إلى تراجع مداخيل العمل».
هذا يعني أن «المفاعيل الثانوية الناتجة من التصحيح الجزئي في الطلب الاستهلاكي لا تطغى على الصورة الإجمالية.
القول بأن المفاعيل الإيجابية هي أكبر ليس كلاماً واقعياً. أما لجهة التدفقات النقدية، فإن لبنان عائم فيها، والاستثمارات السورية في لبنان تحلّ بدلاً من استثمارات قائمة ولا تستقطب الدولارات كما يفترض بالاستثمارات الجديدة أن تفعل».




الانكشاف على الدين السيادي

مجدداً، انتقد البنك الدولي سياسات مصرف لبنان وانخراطه في تمويل الدين العام، فأشار في نشرته الفصلية الأخيرة إلى أن «المركزي» مكشوف بنسبة كبيرة على هذا الدين السيادي رغم أنه حافظ على سياسته التوسعية لدعم الاقتصاد ورغم أنه حافظ على الثقة في الليرة اللبنانية. ويلفت البنك الدولي إلى أن مصرف لبنان اتبع سياسة محافظة في ما خص تنظيم القطاع التمويلي والقطاع المصرفي الخاص في حماية القطاع المصرفي المحلي الذي يتمتع برأسمال قوي ومرونة ملحوظة، وذلك رغم تباطؤ النمو وانخفاض مستوى التصنيف من قبل الوكالات العالمية. وأوضح أن الفروقات بين معدلات العائدات المحلية والخارجية، أسهمت في دعم تدفق الودائع الى المصارف اللبنانية، ما أدى الى توسع في السيولة كأداة عزل لدى المصارف. أما بالنسبة إلى تسليفات القطاع الخاص، فقد نمت بنسبة 13.2% حتى منتصف السنة الجارية، فيما كان نموّها في السنة الماضية يبلغ 8.9%، وهذا النمو يعود بجزء أساسي إلى سلات التحفيز التي أطلقها مصرف لبنان.