خلدون الشريف *

على يديه تتلمذت مبتدئاً في عملٍ سياسي استغرق شغفي لسنوات. عشتُ المرّ معه، أما الحلو فلم أتذوقه حتى ظننت أن السياسة مرارةٌ بالتعريف. أحببته كما لم أحب رجل سياسة. ومنحني ثقة غالية ما فرّطت بها لحظة حتى بعدما دقت ساعة الفراق السياسي.
جاورته وحاورته وحاورت عنه. حفظت الجسور التي بناها وبنيت معه وله جسوراً. أدّعي أن أحداً من رجال السياسة لم يقترب من الرئيس عمر كرامي أكثر مني، وأدعي أن أحداً منهم لم يتأثر أو يؤثر به كما فعلت.

أعطاني من ذاته وعلاقاته وخبرته، وأعطيته من عمري، ومن طاقتي كلها حتى تقمصته عن سابق إصرار وترصد. فرحت لفرحه، وحزنت لحزنه حتى إذا اغرورقت عيناه بالدموع سبق بكائي دمعه. لم يدمع كثيراً لكنه حين فعل، فعل بحرقة كبرى.
جَرَحَهُ الحليف قبل الخصم، وآلمه الأقربون أكثر من الأبعدين. لم يكن شكاكاً بطبعه، بل يَحسن الظن بحلفائه ثم يكتشف مرة تلو الأخرى أن السياسة لا تحتمل تحالفاً أبدياً ولا خصاماً أزلياً.
قد تكون إحدى مشكلاته مع بَعْض السياسيين، ليس في أنهم يقولون ما لا يفعلون، بل إنهم يفعلون عكس ما يقولون. وقد تكون مشكلته الثانية أن عليه أن يتصور أن ملامح بعضهم تعبر عن مكنوناتهم، فإذا بالملامح عدة للشغل أكثر منها تعبيراً إنسانياً.
قد لا يعرف البعض عمر كرامي الأب والجد والإنسان كما عرفت. وقد يرى البعض في الرجل عصبية وقساوة فحسب، لكن خلف تلك العصبية يستبطن الصدق، وخلف القساوة حنان وحساسية مفرطة.
ظلمته حساسيته، ربما قبل أن تظلمه السياسة نفسها. وظلمته المتغيرات الكبرى والتحول الدراماتيكي في عالم السياسة اللبنانية حين صار المال العصب الأساس. وظلمه التفاعل أو التنافر الإقليمي المتحرك صعوداً ونزولاً بحيث لم يستطع مجاراته. وظلمه زلزال العصر اللبناني المتمثل باغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري الذي خاصمه، لكنه أبقى على حبل الود في عز الخصام موصولاً.
قد يقول قائل إنه ظلم نفسه لأنه مارس السياسة بخلاف قواعدها. لكني أستشهد بمقولتين كان يكررهما؛ الأولى "روما من فوق غير روما من تحت"، والثانية كان يستعيدها على لسان أخيه الأكبر الشهيد رشيد كرامي "لو بقيت وحيداً على قناعاتي سأظل متمسكاً بها وسأقف على ناصية شارع التل (في طرابلس) وأرددها وحيداً".
ما لا يعرفه كل الناس أنه كان أديباً وشاعراً، وما يعرفونه أنه كان فطناً عند الارتجال سريع البديهة وحاضر النكتة. هو أحسن من اختار الأمثلة الشعبية لتصوير واقع ما، وأحد الأمثلة التي رددها وتعلمتها: "شو بتعمل الماشطة بالوجه العكش"؟
أحبَّ الأناقة وربطات العنق، وأحبّ المَسابح حتى اقتنى لكل بدلة سبّحة أو أكثر. لحظات فرحه هي لحظات مداعبته لأحفاده... منهم من كبر وشب، ومنهم الصغير الطري العود.
قال لي يوماً: مقولة "ما أعز من الولد إلا ولد الولد" ليست صحيحة لأن الولد تعطيه من روحك وتتحمله في كل لحظة وكل ثانية، لأنه جزء منك في السراء والضراء، في الصحة والمرض، أما الحفيد فتلاعبه وتداعبه، وإذا جدّ الجد ترسله الى والديه، لذا فالعلاقة مع الحفيد أجمل، لكن حب الأولاد لا شيء قبله ولا شيء بعده”.
ما لا يعرفه كل الناس أنه كان في لحظات حزنه يختلي وحيداً ويبكي، وأنه كان جباراً على المرض وقادراً على تحمل الألم، لا يئنّ ولا يشتكي بل ينفجر.
لا أريد الحديث في هذا المقام عن المواقف السياسية التي ينقسم حولها الناس بين مؤيد ومعارض، إذ صدق ابن الخطاب حين قال: "نصفُ الناسِ أعداءٌ لمن حكم.. هذا إن عَدَل"، لكني أريد ان أفي الرجل حقه الإنساني والأخلاقي، وأشهد أمام الله وأمام الناس أنه كان تقياً في دينه، عزيز النفس شديد الكبر.
هو إنسان كسائر البشر، يخطئ ويصيب، يألم ويتسبب بالألم، يسامح ولا ينسى، أو قد لا يسامح، يصارع وينازع ويحافظ على شرفه وعنفوانه.
دولة الرئيس، أصبحت بين يدي أرحم الراحمين، وهو خير الحاكمين.
لن أنساك ما حييت، وسأظل أردد كل الدروس، وكل العبر التي تعلمتها منك، وعلى يديك، وسأبقى أروي لمن ألقاه قصة الرجل النبيل الذي كُنتَهُ.
في أمان الله يا رئيسي وأستاذي وصديقي عمر كرامي.
* سياسي شمالي