ألبير منصور *

عرفته ورافقته وصادقته. عرفته وزيراً شريكاً وعرفته رئيساً لمجلس الوزراء في جميع الوزارت التي ألف وحتى في تلك التي لم يؤلف. التقينا على فهم مشترك للعروبة ولدور الريادة للبنان فيها. والتقينا على فهم مشترك للوطنية وكيفية ممارستها في الساحة العامة. والتقينا على فهم مشترك لكيفية ممارسة السلطة العامة في خدمة المواطنين وتعزيز مفهوم الدولة وتفعيل المؤسسات

.
عروبته صادقة اصيلة، ووطنيته متجذرة في اعماق كيانه، انه من بعض قلة: لبناني بصدق، عربي بأصالة، صاحب قرار وطني، وقراره ينبع من استقلاليته ومن كرامته. كرامته، كما القامات الشامخة، أعز من حياته.
اعتقد، وانا معه، ان نية تنفيذ اتفاق الطائف صادقة لدى جميع من رضي به حلاً وبخاصة أولئك المتبرعين من العرب بالمساعدة في تنفيذ بنوده، فأصرينا على ادراج جوهره الاستقلالي في المادة الرابعة من معاهدة الاخوة والتعاون، ففاجأتنا الشراكة السورية ـ السعودية بانقلاب نفذ بزقاقية موصوفة إمعاناً في الإساءة والإبعاد وخدمة للموعود بتسلم الحكم في ظل الوصاية وإذلالاً لأهل الوطنية والسيادة الحقة والاستقلال الفعلي.
ويوم قبل العودة في حكومته الثانية كان السبب الرئيس في قبوله، وقبولي المشاركة معه، العودة إلى تنفيذ بنود الاتفاق بحرفيتها استعادة للكرامة الوطنية المهدورة على أعتاب أجهزة أهل الوصاية السورية ـ السعودية المشتركة وتسفيهاً لأصحاب مقولة «الوجود السوري في لبنان شرعي وضروري وموقت» ممن خفضوا جناح الذل للوصايتين عن جبن وانتهازية.
غير أنا دخلنا مع أصحاب القرار 1559 سباقاً خسرناه:
كنا نعد لتنفيذ الاتفاق بالتفاهم وصدق العزيمة والقرار، وكانوا يعدون تنفيذاً من نوع آخر، تنفيذاً يلاقي بالأهداف الأسباب الحقيقية لاحتلال العراق. يعدون لتهجير المسيحيين العرب ولتسعير الصراع المذهبي (السني ـــ الشيعي) بغاية تدمير جميع مقومات مواجهة إسرائيل ومقاومتها.
أما في وطنيته، فعرف عمر كرامي كيف يقصي العصبية عن انتمائه الطائفي، فمارس رئاسة الوزارة على وطنية ورغبة صادقة في حكم المشاركة كمحطة انتقالية إلى المواطنة التامة. غير أن المزايدات الطائفية حرفت به نحو تشدد في دور ما لرئيس مجلس الوزراء اتخذه كدرع حماية من خطر أهل العصبيات العمياء والمزايدات المذهبية المدمرة. وقد انجدته عروبته فحمته بموقفه العدائي الثابت حيال كل توجه صهيوني، من خطر المذهبيين وتجار الدين، وإن أدت إلى اضعاف شعبيته بالعصبية العمياء والرشوة السخية. فكان حريصاً على دعم المقاومة والدفاع عنها في مواجهة جميع وسائل التسعير المذهبي التي أنهكت لبنان وطرابلس والشمال باقتتال مأجور ومذهبية هوجاء عمياء.
أما في ممارسته السلطة فقد تميز بأمور ثلاثة جعلت منه رجل دولة من مقاس كبير: ميزة اتخاذ القرار وميزة الحرص على المال العام وميزة تغليب المصلحة العامة. وهذا إرث عائلي مارسه الشهيد الرشيد خير ممارسة وحافظ عليه عمر الوريث خير محافظة: دخل الحكم وتركه وثروته هي هي نقصت ولم تزد.
عمر كرامي قيمة وطنية لبنانية وعربية كبيرة عاش كبيراً شامخاً ورحل كبيراً شامخاً.
*وزير سابق