نخجل في وداع عمر كرامي. نندم أننا ظلمناه ثلاث مرات متتالية، ولم نتعلم.

كانت المرة الأولى سنة 1992. كان نظام الوصاية الثلاثية، بين دمشق والرياض وواشنطن، قد انطلق. وكانت خطوته الأولى قد تكرست باجتياح الدبابات السورية في 13 تشرين الأول 1990. غير أن احتلال الأرض لم يكن كافياً لتثبيت الوصاية وتأبيدها.

كانت لا تزال تنقصها خطوات أخرى. منها بعد الجغرافيا احتلال الديموغرافيا والمؤسسات والنفوس والعقول. وكان عمر كرامي في رئاسة الحكومة. فوُلد ذلك التناقض الكبير حياله، بين ما تريده الوصاية منه، كتركيبة مصالح خارجية وداخلية، وبين ما نريده نحن منه، كمراهقي سيادة وهواة استقلال. كان انطباع الوصاية حياله أنه غير مطواع لباقي مخططاتها. وكان انطباعنا تجاهه أنه أداة لا غير في أيديها. كانوا يريدون منه استكمال الاحتلال. وكنا نريد منه إسقاطه وإنهاءه بكبسة زر. فجأة، وبخبث من «الوصائيين» وسذاجة من السياديين، صار الرجل ضحية الاثنين معاً. لكن سقوطه كان لمصلحة الأُول وعلى حساب الأخيرين. هكذا رتب الراعي الإقليمي ــ بالتكافل والتضامن مع قطيعه البلدي ــ سيناريو الانقلاب. استنفروا كل أجهزتهم: أجهزة عمالية، أجهزة إعلامية، أجهزة مصرفية ونقدية ومالية، وأجهزة أمنية، وركبوا 6 أيار 1992. صدر البيان الشهير عن مصرف لبنان، بابتزاز المواطنين بلقمة عيشهم ومدخراتهم. تابعه رئيس منصّب من وكالة الأنباء إلى كل شاشة ومطبعة بحرص استثنائي. أُشعلت الدواليب بعود ثقاب واحدة، كما يُسقط حجر الدومينو الأول... واحتفلنا باستقالة عمر كرامي!
بعد أشهر بدأت المؤامرة تتضح. دُفن اتفاق الطائف نهائياً. وأعيد إحياء الاتفاق الثلاثي كلياً. نُفذت انتخابات عام 1992. فاجتيحت المؤسسات. بدأت مقامرة العجز والدين وأسر خبز الناس وجوعهم. فاجتيحت النفوس. إلى أن توجت بآخر خطوتين: تجنيس عشوائي سنة 1994 لاجتياح الديموغرفيا، واستباحة الدستور سنة 1995 لإنهاء فكرة الوطن. سقط عمر كرامي، عاشت الوصاية!
مرت بعدها اثنتا عشرة سنة. كان فيها ابن بطل الاستقلال الميثاقي، وشقيق شهيد الجنون الاقتتالي، يحترف إرادة البقاء حياً. معانياً مجالداً مكابراً في طرابلس وما بقي من لبنان. إلى أن جاءت نهاية سنة 2004. كانت وصاية دمشق ــ الرياض ــ واشنطن قد انتهت. أُسقطت على كأس نبيذ فرنسي فاخر، خلال عشاء سري في ذلك القصر النورماندي، بين بوش وشيراك. وكنا، كما دوماً، غافلين. قرر الرجلان إنهاء التلزيم السابق للبنان إلى سوريا. وتبديل الوكيل وتعديل الوكالة لا غير. وكانت أسبابهما منطقية. فالوصاية الأولى للأسد الأول على لبنان، كانت مقابل تغطيته لحرب الخليج الأولى و»تحرير» واشنطن للكويت بتمويل سعودي سنة 1991. وإسقاط التمديد لتلك الوصاية على لبنان نفسه، جاء نتيجة رفض الأسد الثاني لتغطية حرب الخليج الثانية واجتياح واشنطن نفسها، بالتمويل السعودي نفسه، للعراق سنة 2003. توافق بوش وشيراك بسرعة: لقد أعطيناه لبنان مقابل دفتر شروط واضحاً. أما وقد خالفه، فالعقد مفسوخ والوكالة والوصاية لغيره... ومرة جديدة شاء القدر أن يكون عمر كرامي وسط تلك الدوامة والمفارقة، رئيساً للحكومة في خريف 2004. الوصاية الجديدة اعتبرته عائقاً دون مخططاتها المتبدلة والمتقلبة. ونحن، السياديين القدامى، اعتبرناه استمراراً للوصاية الزائلة في غفلة منا. كان غازي كنعان يتأهب للانتحار. وكان تييري رود لارسن قد تأهل لتسلم الشعلة منه، غازياً وصياً معاصراً غربياً، أكثر حضارة ورقياً وخبثاً ولؤماً. كنا نحن نريد إسقاط حكومة عمر كرامي لإنهاء الوصاية السابقة. وكان لارسن يريد إسقاطه لتكريس مخططات الوصاية الآتية، تماماً وفق خريطة طريق 1992 نفسها: انتخابات نيابية ورئاسة جمهورية، ووصاية قضائية وسجون حضارية، وإذا ما اقتضى الأمر حرب إسرائيلية... المهم تنفيذ قرار تبديل الوصي وإبقاء الوصاية.
وللمرة الثانية ظلمناه. نزلنا إلى الساحة مطالبين باستقالته. وللمرة الثانية وقف الرجل عند حد كرامته، وعند جرأة الموقف الوطني الإنساني الأخلاقي الكبير. استقال ومشى. لم يستثمر دم أخيه للبقاء. ولم يجعله قميص عثمان ولا شلحة بيضاء. ومرة ثانية هللنا واحتفلنا، وسكرنا، وأفقنا على وصاية. والأهم أننا أهدرنا أثمن فرصة في تاريخنا المعاصر، لإنجاز التسويتين التاريخيتين المطلوبتين لإنقاذ الوطن، لحظة سقوط وصاية دمشق: التسوية بين اللبنانيين على قاعدة الميثاق والتوازن، والتسوية مع سوريا، بمعزل عمن يحكمها، على قاعدة السيادة والتعاون. ومرة ثانية، سقط عمر كرامي، وعاشت الوصاية!
وبين السياقين ــ السقوطين ــ الظلمين، ظلمناه مرة ثالثة، بلا ضجيج ولا استقالات. كان ذلك ذات يوم من مطلع الألفية، حين جاء ثلاثة من صقور 14 آذار الحاليين إلى منزل أحد «ضحايا الوصاية». جاءوا حاملين مبادرة: يجب إيجاد سبيل إلى المصالحة بينكم وبين عمر كرامي. عليكم أنتم واجب القيام بخطوة شجاعة، لطي الصفحة السوداء والثقيلة، المتمثلة بملابسات اغتيال رشيد كرامي وتداعياتها واتهامكم بتلك الجريمة وإدانتكم فيها. سئل الآذاريون الحاليون: ولماذا عمر كرامي؟ فأجابوا بالحرف: لأنه الرمز السني الوحيد في مواجهة الوصاية السورية. ولأنه مستهدف بهذه الصفة، ولأن السوريين كلفوا رفيق الحريري ضربه وتصفيته لأنه رفض أن يدجن! ولم نصدق، ولم نقتنع... واكتشفنا أننا ظلمناه ثالثة، بعد فوات الأوان. في وداعك، عذراً عمر كرامي، وندماً وتوبة وأسىً، أننا ظلمناك ثلاث مرات، علنا نتعلم.