يبدو وزير الداخلية نهاد المشنوق وكأنه قد «حسبها» جيداً. رغم تأكيده أنه لم يلجأ إلى أي إجراء استباقي قبل «غزوة رومية » أمس، لتجنّب أي ردود فعل من قبل المشايخ وهيئة علماء المسلمين وكل من حملوا راية «موقوفي رومية» في السنوات الأخيرة، إلا أنّ من الواضح أنه التقط اللحظة السياسية المناسبة. فالعملية التي بدأت عند الساعة السادسة والنصف من صباح أمس، تحت إشرافه، أتت في «عزّ» الحوار مع حزب الله، وفي وقت نجح فيه تيار «المستقبل» في سحب البساط من تحت أقدام كل «صقوره» ومتطرّفي بيئته، بدليل الصمت المدوّي الذي التزمه هؤلاء أمس، فلم يسجّل احتجاج من هيئة علماء المسلمين، ولا علا صوت النائب خالد ضاهر أو زميله معين المرعبي، ولم تقفل أي مجموعة إسلامية شارعاً في أي بلدة أو حيّ (باستثناء أحد أزقة مخيم عين الحلوة).


بدأ النهار الأمني عند «معاليه» عند ساعات الفجر الأولى بسبب تلقّيه بعض الاتصالات التنسيقية. أثناء توجّهه إلى سجن رومية، كان المشنوق يعلم أن قرار إنهاء التمرد الدائم في رومية يحظى بالغطاء نفسه الذي سمح قبل أشهر بإنهاء التمرد المسلح في طرابلس والشمال.
وصل الرجل إلى «قلعة الإسلاميين المحصّنة» بعد ساعة من بدء العملية الأمنية، متوجهاً على الفور إلى غرفة العمليات. جلّ ما أراده، إنهاء العملية بأقلّ قدر من الخسائر، علماً بأنه «كان سيحمل مسؤولية أي نقطة دم ستسقط، وسيستمر في العملية حتى النهاية مهما بلغت خطورتها». لم يتباطأ ولا لحظة متخوفاً من عرقلة جديدة. وفيما كان محيط السجن مزنّراً بسيارات الدفاع المدني والإسعاف وشبكة اتصالات خاصة، كان بانتظار الوزير في الداخل «خلية عمل أمنية» تتابع بدء تنفيذ «الهجوم»، تألفت من قائد الدرك العميد الياس سعادة، قائد فوج المغاوير في الجيش العميد شامل روكز، قائد منطقة جبل لبنان في قوى الأمن الداخلي العميد جهاد حويك، رئيس فرع المعلومات العميد عماد عثمان، قائد سرية السجون العقيد غسان المعلوف، ورئيس غرفة العمليات في قوى الأمن الداخلي العميد حسام التنوخي ورئيس مكتب الأمن العسكري في «المعلومات» العميد سعيد فواز.
في الداخل، واصل المشنوق «متابعة التفاصيل، حتّى أنه فكّر لوهلة بالنزول والتفاوض المباشر مع السجناء». الدقائق الأخيرة التي سبقت انتهاء عملية الدهم كانت الأصعب، إذ لم يكن أحد يتوقّع أن تنتهي من دون إراقة دماء.

يقول المشنوق إنه
لم ينسّق في أمر العملية مع أحد إلا رئيس الحكومة

نحو 240 عنصراً أمنياً انتظروا المشنوق قبل مغادرته السجن. وكعادته وجّه خطاباً «لشد العصب». ولأنهم «من تركة اللواء الشهيد وسام الحسن»، يُمكن القول إن التعاطي معهم طغت عليه العاطفة. والدليل أنه ما إن لفظ المشنوق اسم الحسن حتى لاحظ تفاعل عناصر القوة الضاربة في المعلومات، المزهوين بنجاح الخطة التي وصفتها المصادر بأنها «متل الفل، بعد تنفيذها من دون تسجيل سقوط جرحى أو قتلى في صفوف السجناء».
أولى نتائج العملية الأمنية هي «تجريد الموقوفين من كل الامتيازات التي كانوا يتمتّعون بها، والأهم أنه جرى تدمير غرفة العمليات التي أنشئت في داخل المبنى الخاص بهم. وهذا التدمير يحتاج منهم إلى وقت طويل لإعادة بنائه، علماً بأن التدابير لم تنته هنا، وما سيُتخذ منها في الأيام المقبلة سيكون شديد القسوة، وفي مقدّمتها تنظيم المجموعات وفصل بعضها عن البعض الآخر»، وستكون هناك في الساعات المقبلة «صور وتسجيلات من داخل المبنى».
يُصرّ الوزير المشنوق على أنه «لم ينسّق في أمر العملية مع أحد، إلا رئيس الحكومة تمّام سلام الذي علِم بها قبل وقت قصير» ، نافياً أن «يكون قد أتى على ذكرها في إحدى جلسات الحوار مع حزب الله وحركة أمل في عين التينة». يهزأ الرجل بكل الأسئلة التي تتحدث عمّا يشبه المقايضة في موضوع الخطة الأمنية، تحديداً في ما يتعلّق بمنطقة البقاع الشمالي. ورغم ما قاله المشنوق عن وجود مثلث موت جديد لـ«داعش» يمتد بين جرود بلدة عرسال اللبنانية ومخيم عين الحلوة وسجن رومية، ينفي وزير الداخلية احتمال تنفيذ عمل مشابه في مخيّم عين الحلوة، لأن «عملية بهذا الحجم تحتاج إلى توافق أكبر وحسابات جيدة. ولا ننسى أن المخيم موجود في مدينة صيدا، وهذه نقطة حسّاسة جداً».
باستئناء رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أكد المشنوق أنه «تلقّى اتصالات من كل الجهات مباركةً العملية». أما عن وجود اعتراضات «فمن هو الذي سيرفع صوته ضد إجراءات تهدف إلى ضبط السجن؟».
النهار الأمني الذي قضاه المشنوق تحت «الأضواء الإعلامية»، توّجه بعض زملائه في مجلس الوزراء بمطولات المدح، جاء أبرزها على لسان وزير الشؤون الاجتماعية، الطرابلسي رشيد درباس. رغم ذلك، لم يكُن المشوار قد انتهى بعد بالنسبة إلى المشنوق. الأخير «طالب وزير المال علي حسن خليل بمبلغ 30 مليون دولار لتنفيذ خطّة بناء سجون مركزية وتأهيل سجن رومية، على أن يتكّفل بتأمين ما بقي من قطاعات خاصة، واتفقا على أن يتشاورا الأسبوع المقبل في الموضوع». وعلى سبيل المزاح «طالب المشنوق الوزير الياس بو صعب بدفع مبلغ من جيبه الخاص، فتعهّد وزير التربية بالتبرّع بمليون ليرة»!