تستفيد نحو 500 عائلة من تربية اسماك الترويت. هذا النشاط قائم منذ ستينيات القرن الماضي على نهر العاصي، ولكنه لم يلق الدعم اللازم، ولم يجر تنظيمه بشكل يساهم في تحويله الى نشاط اقتصادي يدر مداخيل مهمّة. حتى العام الماضي، كانت مساهمة الدولة الوحيدة في دعم هذا النشاط تقوم على شراء علف السمك وتوزيعه على المزارعين كهبّة. وكانت وزارة الزراعة ترصد نحو مليار ونصف مليار ليرة لهذه الغاية، الا انها "لم تشتر، منذ عامين، اي اعلاف لتوزّعها على مربي الاسماك في الهرمل، كما درجت العادة في الاعوام السابقة"، بحسب ما افادت به مصادرها.

اضطر عدد من مربي سمك الترويت في الهرمل الى شراء العلف من التجار، ما كبّدهم اكلافا باهظة، اذ يبلغ سعر الطن الواحد نحو 1850 دولارا. هذا السعر المرتفع دفع مزارعين آخرين الى اطعام الأسماك مخلفات مسالخ الدجاج، وفق ما ادلى به عضو بلدية الهرمل يوسف محفوظ لـ"الأخبار". هناك فارق كبير بين سعر طن مخلفات المسالخ (250$) وسعر طن العلف المستورد (1850$)، الا ان الاضرار الناجمة عن مخالفات المسالخ تجعل كلفتها الصحية والبيئية مرتفعة بما لا يقاس مع كلفة العلف.
يعاني قطاع تربية الأسماك من "العشوائية" وغياب التنظيم، بحسب محفوظ، "فلا الدولة اهتمت بالقطاع ودعمته، ولا عالجت المشاكل المتراكمة، حتى فقدت المنطقة مقوماتها كمنطقة زراعية". يقول محفوظ "إذا اهتمت الدولة بقطاع تربية الاسماك، وساهمت في نهوضه... فانا أضمن أن نحصل في الهرمل على إنتاج وفير يصل الى 10 آلاف طن من سمك الترويت وينافس في الأسواق المحلية والخارجية ". يصرّ محفوظ على ان "عدد الذين يطعمون مخلفات المسالخ للأسماك لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من بين 140 مزرعة في الهرمل"، ولكنه يرى ان كلاً من وزارة الزراعة والمحافظ وقائمقام الهرمل والبلدية يتحملون المسؤولية في عدم اتخاذ إجراءات صارمة بحق هؤلاء، كاشفا ان مهربي مخلفات المسالخ ينتقلون إلى الهرمل بواسطة شهادات وتراخيص لنقل تلك المخلفات إلى مزارع الخنازير، متسائلاً: "أين هي مزارع الخنازير في هذه المنطقة؟ ولماذا لا تسحب تلك التراخيص منهم؟ ولماذا لا يجري تنظيم محاضر قاسية بحق كل من يطعم الاسماك تلك المخلفات ويلوث مياه نهر العاصي؟".

يبلغ سعر طن العلف المستورد نحو 1850 دولاراً

تسعى بلدية الهرمل الى توفير قاعدة ثابتة لدعم نشاط تربية اسماك الترويت في نهر العاصي. وكانت قد انشأت في عام 2005 معملا لتصنيع اعلاف الاسماك، بالتعاون مع الوكالة الاميركية للتنمية، الا ان المعمل تعرّض لاضرار فادحة في حرب تموز عام 2006، ما عرقل تشغيله، واستدعى اعادة تأهيله على يد وكالة التنمية الألمانية GTZ، التي قدّمت تمويلا بقيمة 250 ألف دولار. واجريت مناقصة لتشغيل المعمل فازت بها شركة "MEES int"
"Dr.Feed" هو الإسم الذي اطلقته الشركة المشغلة على المعمل، الذي بدأ العمل والإنتاج فيه منذ شهرين تقريباً على ان يجري الافتتاح الرسمي خلال الايام القليلة المقبلة. يقول ملاذ جانبيه، المدير العام للمعمل إنه يرى النموذج الأول في لبنان والدول المجاورة، اذ ان اقرب معمل لعلف الأسماك يقع في إزمير في تركيا، موضحاً أن معمل العلف في الهرمل يجنّب مربي الأسماك في الهرمل مشكلة ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة، اذ يبلغ سعر طن العلف المستورد 1850 دولارا، فيما سعر طن علف المعمل في الهرمل يبلغ 1450 دولارا، اي إن فارق السعر يصل الى 20%، فضلاً عن الفارق في نسبة البروتين لكونه طازجاً ويغوص في المياه ببطء، فيسهل التقاطه من الأسماك، والأهم أنه خال من البكتيريا والسلمونيلا وغيرها من الأمراض" بحسب جانبيه.
مربو الأسماك في الهرمل بدأوا فعلياً بالإستفادة من علف المعمل، على الرغم من الكمية المحدودة التي ينتجها حالياً، وهي بحدود 400 طن، علما أن قدرته الإنتاجية تصل الى 1500 طن سنوياً. ويشير يوسف محفوظ إلى أن بلدية الهرمل لها الحق بموجب العقد مع الشركة المشغلة "في الرقابة والتدخل بالتسعيرة والخلطات ومنع المحظور منها، بما يخدم مصلحة المزارعين وبأقل معدلات التلوث"، مشدداً على "دور أكبر ينبغي أن تؤديه بلدية الهرمل لجهة الإهتمام بالمعمل لكونه مشروعا حيوياً ويمثل مشروعاً إقتصادياً هاما للمنطقة". في مقابل ذلك يؤكد محفوظ أن "أقل الإيمان أن تسعى الدولة نفسها، ووزارة الزراعة تحديداً، إلى دعم معمل العلف في الهرمل، بدلاً من استيراد الأعلاف بأسعار عالمية وبيعها للمزارعين، وفي ذلك فرصة للوقوف إلى جانب مربي الترويت، ليس في الهرمل وحسب، وإنما في قرى البقاع والشمال والجنوب". ومن طرق الدعم التي يقترحها محفوظ (الموكل من بلدية الهرمل متابعة ملف الترويت ومعمل العلف) تأمين المواد الأولية لإنتاج العلف وغالبيتها مستورد (طحين سمك وصويا وزيت صويا وفيتامينات)، الأمر الذي يسمح بتخفيض سعر الطن عن 1450 دولارا، وخصوصاً أن الشركة تعمد إلى استيراد المواد الأولية من الخارج، وبدلاً من تخصيص مليار ونصف مليار ليرة لشراء العلف من الخارج، لم لا تشتري بالمبلغ نفسه المواد الأولية للمعمل، أو تشتري تلك الكميات من العلف من المعمل بدلاً من الخارج، "وبذلك تكون قد ساعدت المزارعين من جهة والمعمل من جهة ثانية على تحسين إنتاجه بما يخدم السوق المحلية والخارجية لدول الجوار".