لا تستطيع زينب ديب كفكفة دموعها. تمسح وجهها بالمناديل وبكفّيها وتكبح آهاتها التي تكاد تدوّي في أرجاء منزل الحاج إبراهيم حجازي في الغازية، حيث جلست تتقبل العزاء والتبريكات باستشهاد زوجها القيادي عباس حجازي في الغارة الإسرائيلية على القنيطرة. إلى جانبها، تتمتم حماتها، أم كمال، بآيات قرآنية وتدعو الله أن يمنحها الصبر. هي ليست فقط أماً ثكلى بفقدان ابنها الأصغر، بل زوجة ترملت للتوّ بتوقف قلب زوجها ليل أول من أمس بعد دخوله في غيبوبة قبل أقل من شهر. الحزن مضاعف في بيت الحاج أبو كمال الذي ترقب اليوم الذي يصير فيه من عوائل الشهداء ليتوّج نحو ثلاثين عاماً أمضاها في خدمة المقاومة الإسلامية. كأن قلبه الغائب أحس بحرارة استشهاد نجله، فاطمأن واستكان. لكن ما الذي يطمئن زينب؟ عندما تزوجت «السيد عباس» (لقبه العسكري)، قبل أكثر من عشرة أعوام، توقعت لنفسها مصير أرملة الشهيد ولأولادها أيتام الشهيد. لكن «لم أتوقع بهذه السرعة» تقول ويتملكها النحيب.


هي ما كانت لتبخل على المقاومة بزوجها وحبيبها الذي لقب بـ»أسد بنت جبيل» لبطولته الاستثنائية في عدوان تموز، لكنها كان تتمنى لو أن القدر المحتوم يتأخر لتنعم هي وأطفالها بحنانه أكثر. غادر قبل يومين بعد أن حضر ليطمئن على والده ومولوده. لم يستطع أن يكون إلى جانب زوجته عند ولادتها. في الـ 18 يوماً الأخيرة، غادر وعاد إلى سوريا مرات عدة. كبيرة حسرتها لأن أطفالها الأربعة (صبيان وبنتان أكبرهم محمد مهدي تسع سنوات وأصغرهم أمير حسين 19 يوماً) سيكبرون كما كبرت هي. إذ كانت في مثل عمر ابنها الأكبر عندما اغتالت إسرائيل والدها القائد علي ديب (أبو حسن سلامة) بعبوة ناسفة في عبرا عام 1999. ترك والدها، كما زوجها، خلفه أربعة أطفال. «الله يخلي حزب الله ومؤسسة الشهيد وتكبر الانتصارات» تقول الحاجة المعزية. الغازية أجّلت موعد تشييع أبو كمال، لتتمم مشهد الجهاد اليوم بعرس له ولنجله عباس.
طلب المصورون من أحمد عيسى الجلوس بجانب صورة والده القائد محمد عيسى. يضحك الطفل (سبع سنوات) خجلاً. ينظر إلى شقيقه الأصغر عيسى (3 سنوات). يتعثر في الإجابة عن أسئلتنا حتى يصمت: لماذا لم تذهب إلى المدرسة اليوم وأين والدك؟ لا يعرف، لكنه يذكر أنه غمر والده للمرة الأخيرة قبل أقل من شهر. ينصرف سريعاً للعب مع أقرانه في حديقة منزله عند أطراف عربصاليم قبالة تلة السويداء. والدته وشقيقتاه يستقبلن المعزين. يؤازرهن خاله يحيى مقلد، والد زوجته. المناضل الفتحاوي العتيق الذي قاد (رجله المبتورة في عملية سجد) العائلة إلى المقاومة، «أنتج» حتى الآن خمسة شهداء، من ابنه محمد إلى أولاد أشقائه. بين هؤلاء عزيزة مقلد، خالة الشهيد، التي سقطت في القصف الإسرائيلي على موقع الجيش في البلدة خلال مواجهات الجبل الرفيع. اسمها رفع إلى جانب الملازم أول في الجيش جواد عازار وشهداء المقاومة هادي نصرالله وهيثم مغنية وعلي كوثراني... أخيراً، التحق عيسى بركب المجاهدين في سوريا. قائد محور إقليم التفاح التحق ليقدم خبرته ضد العدو الإسرائيلي. لم يخطر ببال أهله أنه سيسقط في سوريا متوّجاً 30 عاماً في المقاومة الإسلامية. والده أحمد عيسى سوري الجنسية، هجر زوجته وطفليه منذ عقود وعاد إلى موطنه. نشأ عيسى بين والدته وأخواله قبل أن يتعرف لاحقاً إلى والده الذي صارت له عائلة أخرى. لكنه ابن عربصاليم شكلاً ومضموناً. إليها يعود اليوم للمرة الأخيرة.
سكت صوت علي إبراهيم الشجي الذي كان يؤنس إخوانه على الثغور، مردداً موالاً يناجي والده الشهيد حسين، بطل عملية الجرمق، أو يدعو ربه للالتحاق به. استجاب ربه أخيراً وحمل إليه علي وسنواته الاثنتين والعشرين التي بدأت قبل أشهر قليلة من استشهاد والده. استراح، تاركاً والدته وشقيقه وشقيقته لمصابهم الكبير. في يحمر الشقيف، انزوت والدته أمس في انهيار زاد منه تأجيل موعد استلام جثمانه حتى إنجاز فحوص الحمض النووي للتعرف إلى هويته بعد الإصابات البالغة التي نالت منه. أخيراً، أبلغ أسرته عزمه على عقد خطوبته ثم زواجه بعد أربعة أشهر، ينجز خلالها تأثيث منزله.
«وأخيراً طلعلنا شهيد». قال علي ضاوي والد الشهيد غازي. نصبت العائلة خيمة العزاء أمس في منزله في الخيام، فيما كانت تنتظر نتائج الحمض النووي لتحديد هويته وتسلّم جثمانه. لا يبدو علي مفجوعاً. تماسكه وصوته الثابت لا يعكسان خسارة ابنه الأكبر بين أربعة شبان. غادر غازي الاثنين الفائت. كان من المنتظر أن يعود الاثنين (أمس)، لكن شهادته سبقته. الابتسامة التي تعلو عيني زوجة دانيال، سالي زريق وأم طفلته الوحيدة مليكة (سنة وشهر)، تقود إلى عرس قائم في العائلة التي ذاقت طعم الشهادة أخيراً.
في عين قانا، تقود الصور والرايات إلى منزل الشهيد القائد فوزي أيوب الذي سقط في سوريا قبل أشهر. جارة عربصاليم في إقليم التفاح، لم تنته من عرس أيوب، حتى زادها عرس شهادة محمد أبو الحسن الذي كتب كتابه قبل مدة. يوم الأحد الفائت، شوهد للمرة الأخيرة. في منزل جدته وعمته حيث ترعرع مع أشقائه الخمسة بعد انفصال والديه وسفر والده، تحلق المعزون. صفحته على الفايسبوك استقطبت معزين أكثر. كانت المفاجأة كبيرة بأن «الفايسبوكجي»، كما سمى نفسه، كان واحداً من المقاومين الكبار.