عاش جهاد في كنف أبيه. لم يكن ابناً عادياً. نهل من نبع والده الكتوم المتواري، واقتبس من معارفه في العسكر والحياة.

مرَّنه الحاج رضوان على أمور عدة، أتقنها سريعاً، في السياسة والعسكر والثقافة والعلوم، والفنون أيضاً. مطّلع في كافة الأمور، مختصّ ببعضها، وملمّ بأخرى.

«لازم» عدوّه. كتبٌ في السياسة الإسرائيلية، والتقسيمات الديموغرافية بين اليسار واليمين والفلاشا والأشكيناز. أحب مسرحيات زياد الرحباني وأنصت لرسائلها. في عاشوراء، وقبلها وبعدها، كان مواظباً على لطميات باسم الكربلائي. يفضل هذه على البقية.
أتقن العربية والإنكليزية والفارسية. تخرّج من مدرسة في محرابها: سجادة صلاة، وسبحة وتربة، ويلامس أرضها سلاح لازم كتفه دوماً.
في الجانب المدني من حياته، الناجحة بهدوء وبلا استعراض، وظّف معارفه المبكرة في الاتجاه الصحيح. تشهد على ذلك مسؤولية التعبئة التربوية في الجامعة الأميركية اللبنانية، واختصاصه: إدارة الأعمال الدولية.
يا جهاد، هل اختبأت في ظلك الأول بدايةً، ثم انقلبت الآية؟ هل هو النجاح المزدوج في الميدانين: المدني والعسكري؟ كنت تقود رحلة للطلاب إلى قرى الجنوب، بنجاحٍ يشبه ما سمعناه عن قيادتك مهمات عسكريةٍ. مهمات كشفت نبوغك العسكري المبكر. ليس وجهك فقط وجرأتك ما دعانا لرؤية عماد مغنية في شخصك. كنت، كأبيك، سابقاً لزمانك.
كثرت عنك الشائعات، غير مرة، بخصوص مهماتك، ومنها تعيينك مسؤولاً عن العمليات في منطقة الجولان المحتل، وغيرها من المسؤوليات. كلها معاً!
لِمَ لم تعبأ بتحذيرات صديقك الأخيرة، من أن اللغط الإعلامي حولك وضعك داخل دائرة التهديد؟ ألم تعبأ بالموت؟ «انشالله بعبوة أحلى ما موت برصاصة»، كان جوابك حازماً، وأن أشرف الموت قتل الشهادة. صاروخ شبيه بعبوة، حقق حلمك الغيبي الجميل.
حياتك حلم وأمنية، أكثرت فيها أخيراً الكلام عن الشهادة، محاولاً أن تكمل بعضاً من مهمات أبيك في أرض استشهد فوقها أيضاً. ذهبت غير آبه، بنصائح عدم الاقتراب من الموت، لكن أصررت، كأبيك أيضاً، على المواجهة في ميادين المقاومة على كثرتها.
في جفنك آثار ليل طويل من التعب. هل خشيت ألا ترحل معه؟ قبل صعود روحك الى الرفيق الأعلى، كانت الابتسامة تزين وجهك، ودموع الرضى تترقرق في مآقيك. هل ربَّت الله أوجاعك حين فقدت والدك الشهيد، بإيصالك اليه سريعاً، قرب عمَّيك؟ هل نذرتك والدتك، وقلبها بيد الله، إليه؟
هل بيتكم بيت العناء؟ أقتبس من لطمية باسم المفضلة إليك «يا ألم السنين» وأسألك: «هل قضى يعقوب فرض البكاء»؟
يُحفظ عنك دوام وجه لا تفارقه البسمة. ما الذي رأيته لمرة أخيرة حين رميت ببصرك أقصى السماء، وبقي ماثلاً في عينيك الساهمتين، قبل أن يموت فيهما الضوء؟ والدك؟ هل تناولك بكفه وسجّاك بالمسك والرياحين ورفعك على سرر موضونة؟ هل استمهلت الموت لتبتسم له؟
لِمَ لم تبق يوماً او بضع يوم لتجيبنا، حين يستودعنا الألم، على أسئلته المكتومة.
عُمت على دمك لتصل الى ضفاف الشهادة، والان تعالج وردتك، تحت سماء تظلل روحك العابرة بين الأحزان، فوق أرض مفروشة بالحرية. وهي كذلك، لأنك وإخوانك تذوبون فيها وتحرسها روحكم من السماء السابعة، من منزلة الشهداء.
عرفت قسمتك ومآلك قبل حدوثه. هل أتكلم عن المرة الأخيرة التي رأيتك فيها، ليلة العاشر من محرم، تضع اللمسات الأخيرة على الإجراءات الأمنية قرب ملعب الراية؟ سامحني يا جهاد، لم أكن أعرف أني أضعف من أن أمد يدي لمصافحة أخيرة.
أمس، في اجتماع رفاقك معك، دونك، سألني صديقك، المرابط الآن في سوريا، وعيناه على فلسطين: لماذا بكّر جهاد بالرحيل؟ ما زالت في وجوهنا ضحكات لم نضحكها بعد. لقد زرع لك وردة لتسقيها. يراك، ونراك، ملء القلب حباً. نراك ملء الأرض ورداً. من يسقي الوردة بعدك يا جهاد؟