فرض انتصار تحالف «سيريزا» نفسه على المنطقة الأوروبية ككل، فالعزف اليوناني المنفرد ستسمع أصداؤه في دول أوروبية أخرى، حيث التماهي مع الخطاب اليساري يجد موطئ قدم وحيث مناهضة سياسة التقشف الأوروبية، تصبح مع الوقت أكثر شراسة، وخصوصاً أن هناك ما ينذر بحقبة جديدة من المواجهة الاقتصادية اليونانية مع برلين وبروكسل، قد تؤدي إلى تغييرات يشتهيها كثيرون في السياسة الاقتصادية التي تتبعها القارة العجوز.


ولكن هذا التغيير ليس سهل الحدوث، بحسب ما يرى بعض المراقبين والمحلّلين الأوروبيين الذين انبروا، منذ أول من أمس، يتحدثون عن خلط جديد للأوراق في الاتحاد الأوروبي، ولا سيّما أن منهم من رأى أن المواجهات المرتقبة ستؤدي إلى خاسر، لن يعرف من هو في الوقت القريب. ورغم التمايز بين مؤيّد لأي تغيير أو معارض له، إلا أن غالبية من ألقى الضوء عليه، خلص إلى أن ما قبل انتخابات اليونان لن يكون كما بعده، حتى إن البعض وصل إلى حدّ التبشير بأن «الربيع الأوروبي» قد حان، كحال لوران هيربلاي في صحيفة «لو فيغارو»، الذي قال إن «الانتخابات التشريعية اليونانية هذا الأحد، تعني انتصار الديموقراطية على أوروبا التقشفية والاستبدادية».
«الناخبون اليونانيون بعثوا برسالة أمل كبيرة إلى أوروبا قاطبة»، قال هيربلاي صاحب مدوّنة «غوليست ليبر»، مضيفاً أن «النتيجة مشجعة بشكل مضاعف، وهي تبرهن أن الشعب يمكن أن يستفيق، عندما يكون لديه الوسائل المناسبة، لإسقاط الأحزاب التي فشلت». ووصل الكاتب إلى اعتبار 25 كانون الثاني «يوماً كبيراً في التاريخ والديموقراطيات الأوروبية، إنه اليوم حين قام الشعب باستعادة مصيره بيده، في وجه تعاليم القلّة التي أصبحت مجنونة».
ولكن الانتصار الذي انتشى به هيربلاي «فتح للتو على فصل جديد من عدم الاستقرار الأوروبي»، وفق المحلّل الاقتصادي، جوروج مانيوس، الذي قال في سياق مقال في صحيفة «فايننشل تايمز» البريطانية، إن «الترويكا» المكوّنة من المفوّضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، ستواجه الطموحات الاقتصادية لزعيم تحالف «سيريزا»، أليكسيس تسيبراس، المتمثلة بإعادة التفاوض حول شروط الديون، بمزيد من الإصرار. ورأى أن برلين وبروكسل ستردان على مطالبه بالتشديد على الاستمرار في المسار الحالي وتنفيذ السياسات المتّفق عليها، لتجنّب أي نوع من التنازلات، قد يعطي فرصة للمطالبة بإجراءات مشابهة في دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا، حيث حزب «بوديموس» اليساري والمتعاطف مع «سيريزا»، يقود استطلاعات الرأي في انتخابات مهمة ستجرى هذه السنة.
«فايننشل تايمز»، نشرت تقريراً آخر للكاتب، طوني باربر، بعنوان «هل سيكون تسابيراس لولا أو تشافيز؟». وشبّه الكاتب سعي تسيبراس للتفاوض على تخفيف الديون، إلى تهديد الرئيس اليونان الأسبق، أندريا باباندريو، بالانسحاب من حلف «شمال الأطلسي» وبعدها من المنظمة الاقتصادية الأوروبية، ليشير بعدها إلى أن باباندريو لم يقم بالنهاية بأي من الخطوتين. وأوضح باربر أن «تكتيكه السياسي (باباندرو) كان تصادمياً، وخطابه كان نارياً، ولكن في محصلة سياسته الخارجية فقد كان براغماتيا»ً.
وانطلاقاً من هذه النظرية، انتقل طوني باربر إلى نظرية أخرى مبنية على تساؤل مركزي «لن يكون عليه إجابة محددة قريباً، وهو هل سيتحوّل تسيبراس إلى شخصية معتدلة في السلطة، مستعدة لعقد صفقات مع الدائنين في اليونان؟»، مضيفاً في هذا الإطار أنه على مدى ثلاث سنوات ظهر على أنه «مثل هيوغو تشافيز الرئيس الفنزويلي الراحل والشعبوي الذي أثار قلق الولايات المتحدة، وأحياناً كأنه الرئيس البرازيلي السابق، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي حالما أصبح رئيساً أدار السلطة كأنه إصلاحي أكثر من كونه يساريا راديكاليا».
أما في صحيفة «ذي اندبندنت» البريطانية، فقد كتب المحلّل الاقتصادي، أندرو هاموند، وهو مستشار سابق للحكومة البريطانية أن الانتخابات اليونانية تعد الدوي الأول للزلزال السياسي والاقتصادي المحتمل في الفضاء الأوروبي، في عام 2015. وأضاف أنه على الجبهة السياسية، فإن انتخابات الأحد تسلّط الضوء على تنامي قوّة الأحزاب الشعبوية التي كانت قد بدأت تظهر في انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار الماضي.
فـ«النتائج حينها أظهرت انتصاراً كبيراً بين أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ 28، للأحزاب المناهضة للاندماج والأحزاب المشككة في الاتحاد الأوروبي، التي تمثّل طيفاً إيديولوجياً يمتد من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة التي فازت في الانتخابات الفرنسية، إلى سيريزا الذي أتى في المرتبة الأولى في اليونان».
أما الجانب الآخر الذي يجب أخذه في الحسبان، فهو إمكانية أن «تكون إسبانيا الحالة الأكثر تشابهاً مع اليونان»، وفق هاموند، ذاكراً أن «الاقتصاد الإسباني قد عانى انزلاقات اقتصادية كبرى غزّت نهوض الحركات المناهضة للمؤسسات، والحزب اليساري المتطرف بوديموس، الذي جرى تأسيسه في عام 2014»، الذي يتزاحم على صدارة استطلاعات الرأي.
وبالعودة إلى احتمال حدوث زلزال اقتصادي وشيك في أوروبا، فقد رأى هاموند أن انتصار «سيريزا» الانتخابي، يعيد فتح الباب أمام مظاهر تمزّق الاتحاد الأوروبي، وسط الحديث عن إمكانية خروج اليونان، «التي حتى إن زادت نسبتها إلا أنها ما زالت أقل من 50 في المئة».
باتريك كوكبرن، رأى في مقال آخر في صحيفة «ذي اندبندنت»، أن «الناخبين اليونانيين تمرّدوا ضدّ برنامج التقشّف الذي فرضته بروكسل وبرلين في سبيل تسديد القروض الساعية لسداد الديون اليونانية الضخمة».
واعتبر أن هزيمة حزب «الديموقراطية الجديدة» التابع لرئيس الحكومة اليونانية، أنطونيس ساماراس، نابعة من «حقيقة أنه فشل في وضع حد لخطة الإنقاذ، وتخفيض الديون اليونانية، وانتشال الاقتصاد اليوناني من الركود العميق برغم بعض التحسنات الأخيرة، وبالتالي إخراج صندوق النقد الدولي من الترويكا المكروهة، التي طبقت سيطرة شبه استعمارية على الاقتصاد اليوناني»، وإذ أشار كوكبرن، إلى أن «سيريزا» قد يتمكن من بناء تحالفات مع أحزاب داخلية، إلا أنه عقّب على ذلك بالقول إنه «قريباً سيجد نفسه في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي، في ظل سعيه للارتياح من التقشف الذي أدى إلى فقر 4 ملايين يوناني».
صحيفة «ذا غارديان» البريطانية، أشارت في افتتاحيتها، أمس، الى أن انتصار «سيريزا» يعكس فشل سياسة التقشف في منطقة اليورو.
«يجب احترام هذا الانتصار»، قالت الصحيفة، التي عدّته «انتصارا انتخابيا مذهلا». وأكدت أن «الانتخابات اليونانية دمّرت الأعراف السياسية (التي طبقت) في مرحلة ما بعد الركود والافتراضات المتعلّقة باليونان، كما أدت إلى اهتزاز تلك (السياسات) المرتبطة بالاتحاد الأوروبي على نحو عميق».
من التساؤل «سيريزا نعمة لأوروبا؟»، انطلق المحلّلان الاقتصاديان، بيار خلفا وتوماس كوترو، في صحيفة «لوموند» الفرنسية، للقول إن «سيريزا» «سيجد نفسه مكبلاً بالقوانين والإجراءات الأوروبية التي تفرض ميزانية متوازنة وغيرها من الضروريات الاقتصادية»، وبالتالي «لن يتمكن من تطبيق برنامجه»، وفق المحلّلين اللذين أشارا إلى أنه «لا مستقبل لليونان في ظل إجراءات التشغيل الحالية في الاتحاد الأوروبي».
ومن الحلول التي طرحها الباحثان هي أن «كل حكومة تريد أن تقطع علاقتها مع سياسة التقشف كما وعد سيريزا، أن تعمل بيد من حديد مع المؤسسات الأوروبية وتبني توازن قوة ضمن الاتحاد نفسه».
وخلصا إلى أنه «يمكن لفوز سيريزا أن يعجّل في مناقشة القواعد التي عفا عليها الزمن وغير المستدامة في منطقة اليورو»، ليضيفا بعدها أن «التغييرات الضرورية، الإيديولوجية والمؤسساتية، ستكون عميقة لدرجة أنه لا يمكن إنتاجها إلا على حساب أزمة سياسية كبيرة في الاتحاد الأوروبي، والتغيير السياسي في اليونان قد يدشن هذه الأزمة الصحية».