مقعدان فقط فصلا بين حزب اليسار اليوناني، «سيريزا»، والغالبية المطلقة في مجلس النواب الذي يضم 300 برلماني، ولكن قلّما يهمّ، فتشكيلة الزعيم ألكسيس تسيبراس، التي انطلقت كالصاروخ السياسي خلال الأعوام الثلاثة الماضية على قاعدة التخلص من إملاءات الخارج وسياسات التقشف، ستحكم عبر ائتلاف ـ قد يوصف بأنه «غريب عجيب» في ظروف أخرى ـ توصلت إليه مع حزب اليمين، «الاستقلاليون اليونانيون»، في حكومة عنوانها «مكافحة التقشف».


يحمل هذا الفوز آمالاً جديدة لشعب تعاني ربع قواه العاملة بطالة قاتلة. غير أنه يُعدّ مقلقاً لقادة الاتحاد الأوروبي وللأسواق المالية التي غنمت من تعثّر بلاد الإغريق نتيجة إدارة سياسية واقتصادية مترهّلة.
يقوم برنامج الحزب اليساري على إعادة التفاوض حول برنامج الدعم الأوروبي الذي صاغته الـ«ترويكا» المكونة من الاتحاد الأوروبي، المصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. تبلغ قيمة هذا البرنامج «الإنقاذي» 240 مليار يورو، يُنفّذ على مراحل تمتد خمسة أعوام، وتحديداً حين بدأ انهيار الاقتصاد اليوناني عام 2009، حيث تقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 25%، وارتفع معدّل البطالة إلى 26%.
ردّ الفعل الأولي للأسواق المالية على اجتياح اليسار لبرلمان هذه الديموقراطية الأوروبية، لم يكن دراماتيكيا، وذلك لسببين أساسيين. الأول أن جميع المؤشرات خلال فترة العام الماضي بالحد الأدنى كانت تفيد بأن «سيريزا» سيُحقّق فوزاً معيناً في هذه الانتخابات، أو أن الحزب الحاكم، «الديموقراطية الجديدة» الذي هندس اتفاق التقشف مع «الخارج»، سيشهد انتكاسة عظيمة. لذا بدا وصول اليسار إلى السلطة كأنه هبوط ناعم، كان الجميع يستعد لحدوثه. أما السبب الثاني، فهو أن هذه التحولات اليونانية تأتي مباشرة بعد إعلان المصرف المركزي الأوروبي، في كنف مؤتمر دافوس في الأسبوع الماضي، برنامجا نقديا طموحا من التسيير الكمي (QE) ـ أي طبع النقد لشراء السندات السيادية والأوراق المالية ـ بقيمة 60 مليار يورو شهرياً خلال عام ونصف عام بالحدّ الأدنى، وذلك بهدف إراحة الأسواق من عبء هذه الأوراق المالية وإتاحة مجالات التمويل والخطوط الائتمانية للشركات والأفراد. صحيح أن برنامجا كهذا جاء متأخراً جداً بعد تجارب ناجحة في المملكة المتحدة والولايات المتّحدة، غير أن توقيت الإعلان عنه مناسب جداً، أي عشية انتخابات يونانية قد توصل إلى انتكاسة لليورو أو ربما، في حالة متطرفة، إلى خروج لليونان من الوحدة النقدية.

قد لا يكون
للحكومة اليسارية خيارات كثيرة للمناورة
مهما يكن فإن أسواق المال وأبواق التقشف لا تقيم أهمية لخيارات الشعب اليوناني. برأيها فإن البلاد حققت الكثير خلال الأعوام الأخيرة في ظل برنامج التقشف، ولا يُمكن التخلي عن أجندة البرنامج الآن. في الحقيقة، نجحت البلاد في التخلص تقريباً من عجز الموازنة، فيما الفائض الأولي المحسوب قبل دفعات فوائد الديون يُتوقع أن يبلغ 3% و5% هذا العام. كذلك تحول عجز الحساب الجاري مع الخارج إلى فائض قد يُبنى عليه.
ولكن كل ذلك لا يهمّ من وجهة نظر الشعب. فقد فرضت الترويكا على أثينا خيارات صعبة جداً كان لها آثار مدمرة على العائلات الهشة. في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز»، يختصر المستشار السابق للمفوضية الأوروبية، أستاذ الاقتصاد في جامعة لندن للاقتصاد (LSE)، بول دو غرو الوضع كالتالي: فاز اليسار اليوناني لأن هؤلاء الذين فرضوا إجراءات التقشف (على البلاد) لم يفكّروا أبداً بتأثير هذه السياسات القاسية التي أفقرت ملايين الناس. «إن حكم الشعب واضح: سنضع حداً لحلقة التقشف الشريرة»، صرخ، ألكسيس تسيبراس، الزعيم اليساري الشاب ـ الذي بالكاد استهلّ عقده الخامس ـ أمام الجماهير التواقة خارج جامعة أثينا. خطابه لم يكن جامداً، وعد «بمدّ اليد إلى أوروبا» ولكن ألحق هذه المبادرة بضرورة أن «تتغير أوروبا».
في الحقيقة عانت أوروبا منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وبعدها أزمة اليورو ومصاعب اليونان، وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وإيرلندا، أزمة هوية اقتصادية ومالية. فإرثها الاجتماعي القائم على التعاضد في وجه وحوش السوق المالية، تحطّم خدمة لتلك الأسواق نفسها، على خلفية أزمة اندلعت في الولايات المتحدة؛ بعد 7 سنوات، يبدو العم سام في أفضل حال مع معدلات نمو تفوق 3%، فيما تغرق القارة العتيقة في الركود القاتل.
صحيح أن معظم البلدان التي ذاقت شر الأزمة المالية وفي الوقت نفسه البرامج الإصلاحية التي نشأت بعدها، تشهد استقراراً نسبياً الآن. غير أن الجروح لم تندمل في ذاكرة شعوب أوروبا. وتُعدّ اليونان أول البلدان الأوروبية التي تنتفض على التقشف الناتج من إملاءات بروكسل ومعها صندوق النقد. ولكن قد لا يكون للحكومة اليسارية المقبلة خيارات كثيرة للمناورة. فالترويكا تتمتع أيضاً بأدوات قوية للتفاوض مع أثينا. بحسب التقارير الصادرة من أوروبا، وتحديداً ما نشرته صحيفة «ذا تلغراف»، فإن وزراء مال الاتحاد الأوروبي سيرفعون سقف التفاوض مع حكومة «سيريزا». من بين أدوات الضغط التلويح بأنه إذا لم تلعب الحكومة اليسارية لعبة الاتحاد الأوروبي ـ أي الانصياع لبرنامج الترويكا وتجنيب اليورو وأوروبا المتحدة خضات جديدة ـ فإنه لن تمدَّد مهلة مراجعة إجراءات خطة التقشف بعد 28 شباط المقبل.
ومن دون هذا التأجيل، فإن المصرف المركزي الأوروبي سيعمد، وفقاً لما تنقله الصحيفة البريطانية عن مسؤولين أوروبيين، إلى سحب خط الإنعاش المالي البالغ 40 مليار يورو الذي تستخدمه البلاد لدعم مصارفها.
بدون هذا الدعم قد يدخل القطاع المصرفي في أزمة خطيرة، من غير المتوقع أن تكون الحكومة اليسارية مستعدة لها.