أعاد حزب الله كرة النار التي اشعلتها اسرائيل الى طاولة القرار السياسي والامني في تل أبيب. وَضَع اسرائيل، بعد الكمين المحكم الذي استهدف موكباً من الآليات العسكرية، رداً على عدوان القنيطرة (يوم 18/1/2015)، أمام مروحة من الخيارات الصعبة، لكنها ملزمة بتبني احدها. إما الانكفاء والامتناع عن شنّ ضربات في الاراضي اللبنانية، او الاكتفاء بضربات شكلية، أو من النوع الذي يسوّقه في الداخل الاسرائيلي كما لو أنه انجاز ولا يدفع حزب الله الى رد قاس، أو الذهاب نحو عدوان واسع.


المشكلة بالنسبة الى نتنياهو أن كلاً من هذه الخيارات ينطوي على أثمان ردعية وسياسية، على الاقل. من جهة الخيارين الاول والثاني، فإنهما ينطويان على اقرار بتوازن الردع بين حزب الله واسرائيل، بل وتكريسه الى أمد غير منظور في هذه المرحلة، فضلاً عما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات داخلية وسياسية. اما بالنسبة الى الخيار الاخير، أي العدوان الواسع المتدحرج، فهو سيعرّض اسرائيل لخسائر واضرار لم يسبق أن تعرضت لها في تاريخها، وبالحد الأدنى لا توجد بين أيديها ضمانات بأن تخرج سليمة من مواجهة كهذه، او أن المعركة ستنتهي بتوازن مع حزب الله. ولا يخفى أن لهذا السيناريو وتداعياته أثماناً سياسية وردعية مؤلمة على الواقع الاسرائيلي.

القرار الأصعب
في ولاية نتنياهو: اختيار رد قاسٍ من دون الانجرار الى حرب

وقبيل منتصف ليل امس، انتهت جلسة «تقدير الوضع» للمجلس الوزاري المصغر، برئاسة رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ومشاركة وزير الامن، موشيه يعلون، وكبار المسؤولين الامنيين والعسكريين في اسرائيل. وأشار المراسلون والمعلقون العسكريون إلى أن الجلسة انتهت الى قرار احتواء الاحداث في الشمال، وعدم مواصلة اطلاق النار، مع ابقاء القوى الامنية والعسكرية على جهوزية مرتفعة لمواجهة اي سيناريو محتمل. وتحدث وزير الامن، موشيه يعلون، بعد انتهاء الجلسة، موجهاً كلامه الى المستوطنين، داعياً إياهم إلى العودة الى روتين حياتهم الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه وجه تهديداته الى حزب الله وايران. وقال يعلون إن «إيران وحزب الله يحاولان مهاجمة اسرائيل، وسيستمران بالمحاولة، وبأي طريقة كانت، وذلك من الجولان وبالتأكيد من لبنان، وبواسطة بنية إرهابية لا كوابح لها هدفها العمل ضد أهداف عسكرية ومدنية. وقبل أيام هوجمت قيادات لتنظيم كهذا، كان هدفها تنفيذ هجمات كبيرة ضد إسرائيل خلال الأسابيع القريبة، وفي المستقبل أيضاً، على طول حدود الجولان».
الواقع المأزق الذي وجدت تل ابيب نفسها امامه، تناوله العديد من المراقبين والخبراء الاسرائيليين، الذين اكد بعضهم، كألون بن ديفيد في القناة العاشرة، أن «نتنياهو امام اصعب قرار في ولايته الحالية: عليه ان يختار رداً قاسياً يفرض من خلاله خطاً احمر، من دون الانجرار الى حرب لبنان الثالثة». ووصف أي قرار سيتخذه نتنياهو بـ»المعقد جداً جداً». واشارت القناة العاشرة الى ان القرار يتجه نحو التهدئة و»بلع» العملية التي نفذها حزب الله، أي بمعنى آخر عدم التسبب بمواجهة واسعة، فيما اكد معلق الشؤون العسكرية في القناة الثانية، روني دانيئيل، نقلاً عن اجواء جلسات تقدير الوضع «إني استطيع ان اقول بكل ثقة إن هذه الجولة مع حزب الله قد انتهت».
وضمن هذا الإطار، أتت معظم بقية مقاربات الخبراء والمعلقين الاسرائيليين. ومنها ما اورده معلق الشؤون الأمنية، رون بن يشاي، الذي وصف العملية في مزارع شبعا بأنها «تصعيد واضح يجب التدبر فيه: هل ندخل في مواجهة واسعة مع حزب الله، ام نسمح لهذا الأمر بأن يمر ونفترض أنهم يكونون بذلك قد أقفلوا الحساب معنا؟ فيما الاعتبار الآخر، هو أنه إذا لم تعمل اسرائيل الآن وترد بقسوة، فمن المتوقع ان نواجه احداثاً دامية في المستقبل».
الى ذلك، رأى الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، ومدير معهد ابحاث الامن القومي، اللواء عاموس يادلين، أن «على اسرائيل ان تدرس خطواتها جيداً، وأن توضح أن ضربة كهذه لن تمر دون رد، وفي المقابل لا ينبغي أن يؤدي ذلك الى تصعيد كبير». من جهتها، توقفت القناة الثانية عند تسمية بيان حزب الله «البيان الرقم واحداً»، ولفتت الى أن ذلك يعني أن هناك امكانية لبيانات تالية، وبالتالي امكانية حدوث المزيد من العمليات.
وأشار اللواء احتياط، يوآف غالانت، خلال مقابلة مع اذاعة الجيش، إلى أن «الواقع الذي نعرفه في الشمال (لبنان وسوريا) مختلف كلياً عن الجنوب (غزة). علينا العمل من الرأس لا من البطن. ويجب رؤية ما هي الأهداف الاستراتيجية، وعدم الوصول إلى وضع نعمل فيه كردّ ونلعب «البينغ بونغ» مع حزب الله، كما يريد هو».
من جهته، استغل وزير الخارجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان الحادثة للمزايدة على نتنياهو، وخاصة أن اسرائيل في ذروة حملة انتخابية، فدعا الى رد شديد وغير تناسبي على العملية، مشيراً إلى ان على اسرائيل ان تتصرف كما كانت ستتصرف الولايات المتحدة او الصين في مثل هذه الحالات.
كذلك تطرقت رئيسة حزب الحركة تسيبي ليفني خلال جولة لها على الحدود الشمالية الى الأحداث الأخيرة، وقالت إنه «يجب أن تكون الصورة واضحة: التعرض للجنود أو المدنيين سيرد عليه بطريقة قاسية ومن دون تسويات عبر الجيش الإسرائيلي». وتابعت: «من حقنا الرد على أي هجوم، ومن المهم نقل رسالة عن وحدتنا. الجولان لن يفتح للمفاوضات، وهو جزء من إسرائيل». وبصورة اجمالية، يلاحَظ مما تقدم على ألسنة السياسيين أن رائحة الانتخابات كانت حاضرة بقوة في تعليقاتهم.




على إسرائيل أن تفهم!

في تفاصيل عملية المقاومة في مزارع شبعا أمس، أكد موقع صحيفة يديعوت احرونوت، ان الرمية الاولى لصاروخ الكورنيت اصابت عربة غير مدرعة في القافلة المستهدفة، الامر الذي ادى الى اشتعالها ومقتل من كان بداخلها. وبعد تلقي هذه الضربة تحديداً، ترجل الجنود والضباط من العربات الأخرى وفروا باتجاهات مختلفة، وبعدها اطلق حزب الله باقي صليات الكورنيت، التي بلغت خمسة على باقي آليات القافلة، ما ادى الى احتراقها. وبحسب المراسلين العسكريين، كانت هذه العملية، بهذه الطريقة، رسالة من حزب الله، على اسرائيل أن تفهمها جيداً.