ريف دمشق | للمرة الأولى منذ أيار 2013 (استعادة بلدة خربة غزالة في ريف درعا)، يشن الجيش السوري عملية عسكرية كبيرة في الجبهة الجنوبية (درعا والقنيطرة). على العكس من ذلك، كانت فصائل المعارضة، وعلى رأسها «جبهة النصرة»، تشن الهجوم تلو الآخر، لتتمكّن من السيطرة على عدد كبير من المواقع والبلدات والقرى والمزارع في المحافظتين الجنوبيتين. بقي الأمر على هذا المنوال حتى يوم الاحد الماضي، عندما بدأ الجيش السوري هجوماً كبيراً على المثلث الذي يربط محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق.


وفي غضون يومين، حقّق الجيش تقدماً في مواقع وقرى أبرزها تل مرعي والدناجي ودير العدس. هذا الهجوم الذي يمهّد لعمليات أخرى في المحافظتين الجنوبيتين يحمل أكثر من دلالة بارزة. فهو يقع في منطقة تخضع فيها عمليات المعارضة لإدارة إسرائيلية وأردنية وأميركية وفرنسية مباشرة، بحسب مصادر حكومية سورية تؤكد امتلاكها أدلة على هذه الإدارة «التفصيلية والدقيقة». وترتبط هذه العملية بالسعي إلى وضع حدّ لحزام الأمر الواقع الذي ينشئه العدو الإسرائيلي في مناطق محافظة القنيطرة المحاذية للجولان المحتل، بأيدي جماعات المعارضة المسلحة، كذلك فإنها تساهم في تحصين العاصمة دمشق وريفها من أي خطر استراتيجي كان يمكن أن يتشكل فيما لو بقيت المعارضة تتقدّم من درعا والقنيطرة باتجاه الشمال. وفضلاً عن ذلك، فإن لمعركة الجنوب بُعداً آخر، يتصل بصورة المعارك الجارية على مجمل الأراضي السورية. فالجبهة الجنوبية كانت الوحيدة التي «توازن» فيها المعارضة أيّ انكسار لها في ريف دمشق وحمص وحلب. وسلبها هذه «الميزة» سيؤثّر، بحسب مصادر متابعة عن كثب لسير المعارك السورية، في معنويات المعارضين في كل الجبهات.

أفشل الجيش عملية
«كسر المخالب» في محيط
بلدة قرفا المشرقة على
طريق دمشق ــ درعا


وتشير مصادر ميدانية إلى أن هذه العمليات ستستمر في محافظتي درعا والقنيطرة لتعزيز المواقع الدفاعية للجيش السوري، تمهيداً لقلب المعادلة على غالبية محاور القتال في الجنوب، وانتقال الجيش من الانتشار الدفاعي إلى الانتشار الهجومي. ويترقب الجيش والقوى الرديفة له ردّ فعل قوات الاحتلال الإسرائيلي، علماً بأن وسائل الإعلام العبرية اهتمّت بما يجري شمال الجولان، وتحدّثت عن نية محور المقاومة الوصول إلى حدود المنطقة المحتلة.
مصدر ميداني تحدث لـ«الأخبار» عن «تمكن وحدات الجيش من اختراق بلدة الدجاني، وانتقالها من قواعدها ونقاطها في الريف الجنوبي لدمشق لتتقدم باتجاه بلدة دير العدس، محور الفصل في الجغرافيا ما بين المحافظات الثلاث، والتي ستشكل بالنسبة إلى الجيش بوابة عمل في الأرياف التي ترتبط بها». المصدر يؤكد أن عملية السيطرة على دير العدس تحمل الأهمية الآتية: أولاًـ تشكيل عامل ضغط ميداني يمكّن القوات المدافعة في ريف درعا الغربي من صدّ هجمات المسلحين، وبالتالي الحفاظ على أمان الطريق الدولي درعا ـ دمشق. ثانياًـ وقف مدّ المسلحين من ريف درعا والقنيطرة باتجاه الغوطة الغربية لدمشق، وتحديداً بلدة خان الشيح. ثالثاًـ تقطيع أوصال المسلحين ما بين مناطق وجودهم في سفح جبل الشيخ وريف درعا.
مجريات المعركة توحي بأنها معركة متشعبة تعمل من خلالها القوات السورية على أكثر من محور لتحقيق مكاسب استراتيجية. مصدر ميداني أفاد «الأخبار» بأن الهدف الأولي هو تأمين إعادة تموضع للقوات في منطقة دير العدس، للانطلاق في ما بعد لتنفيذ المزيد من العمليات. وما يدعم إعادة انتشار وحدات الجيش في تلك الجغرافيا، تمكّنها من إعادتها السيطرة على تل مرعي وتل الصياد اللذين يشكلان مع تل رعيد وتل عفا شمال دير العدس سداً نارياً يتحكم في مجريات المعركة، ويضع مناطق الهبارية ودير ماكر في حكم المناطق الساقطة بالنار. ولفتت مصادر ميدانية إلى أن المؤشرات الاولية تدل على أن بلدة دير ماكر خلت من أي وجود مسلّح إثر انكسار المسلحين في البلدات المحيطة.
التطور اللافت تمثل في تمكن الجيش من تحقيق خرق تصفه المصارد الميدانية بالاستراتيجي، انتقلت به وحداته من الدفاع إلى الهجوم، موسعة نطاق وجودها لتصل إلى محاذاة بلدتي حمريت وكفرناسج ــ وهما من أبرز قواعد المسلحين في ريف درعا ــ وذلك من خلال المد الناري الذي وصل إلى بلدة كفر شمس القريبة من دير العدس. وأكّدت مصادر ميدانية أن أبناء عدد من القرى بدأوا التواصل مع الجيش لتأمين طرد المسلحين منها وتسوية أوضاع بعضهم، لتجنيب قراهم معارك كتلك التي وقعت في دير العدس.
المعارك أدّت إلى مقتل عدد كبير من المسلحين، بالتزامن مع تنفيذ الجيش لكمائن في مناطق أخرى. مصادر أكدت أن كميناً على أطراف بلدة اللجاة في ريف درعا الشمالي سقط فيه عدد من المسلحين قتلى. إلى ذلك، تتكتّم المصادر الميدانية عن مستقبل العمليات العسكرية في الجنوب السوري، في ظل اتخاذها لإجراءات احترازية في جبهات أخرى، حذراً من افتعال المسلحين لهجمات بهدف تخفيف الضغط عن ريفي درعا والقنيطرة.
وكان مقاتلو الفصائل المسلحة التابعة لتشكيل ما يسمى «الجيش الأول»، قد أطلقوا قبل أيام معركة سمّوها «كسر المخالب»، كان أول أهدافها اختراق قرية «قرفا» المحاذية لبلدة الشيخ مسكين (ريف درعا الشمالي)، على الجبهة المقابلة في الجنوب الشرقي لمسرح عمليات الجيش في دير العدس. وشنّ المسلحون هجمات كثيفة وعنيفة على القرية التي تشكل خطاً أحمر بالنسبة إلى الجيش السوري، كونها مشرفة عن قرب على الطريق الدولي. لكن الجيش والأجهزة الامنية السورية حشدوا للدفاع عنها، فلم يحقّق مسلحو «الجيش الأول» أيّ تقدم يُذكر في الميدان.