باستثناء البطريرك الماروني بشارة الراعي، والفاتيكان وفرنسا من خلفه، يكاد التسليم يكون تاماً، وعاماً، بأن «مبادرة» الرئيس سعد الحريري بترشيح النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية باتت في «خبر كان». عدم الانتقال من الهمس باسم فرنجية الى الجهر به تعبير عن «موت سريري للمبادرة»، على ما تؤكّد مصادر مطلعة. وهي، بحسب المصادر، «ماتت منذ أن انحرفت عن المسار الذي وضعه لها الحريري: في 16 الشهر الجاري يُنتخب فرنجية رئيساً، في 17 منه يُكلّف الحريري تشكيل الحكومة، وبين 18 و20 تُجرى الاستشارات النيابية لينطوي العام على الحريري رئيساً مكلّفاً».
وبعدما لم تتطابق حسابات الحقل والبيدر، يمكن تسجيل الآتي:
على جبهة 14 آذار:
ــ لن تغامر الرياض بإعلان التسمية إذا لم يكن نجاح التسوية مضموناً. التريث السعودي واضح: رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لا يزال على موقفه ولم ترم الرياض بثقلها لتغييره.
ــ لا يزال الحريري يبدي حماسة لمبادرته ويعوّل على الضغوط الدبلوماسية لبث الحياة فيها. لا يتوقع أحد أن يخرج الحريري بنفسه لنعي مبادرة هو صاحبها. ولكن، بالقدر نفسه، لا يتوقع أن يمضي، كما كان مخططاً، إلى تبنّيها علناً، للأسباب السعودية نفسها: المملكة لا تسمّي لتفشل. في الأثناء يعتمد استرتيجية «الاحاطة الدائمة» لفرنجية بكل المستجدّات، سواء بالاتصالات الهاتفية المباشرة أو عبر مساعديه، لعدم إحباط الأخير.

روزنامة الحريري: انتخاب فرنجية في 16 الشهر وتكليفه رئاسة الحكومة في 17 منه

ــ النائب وليد جنبلاط، أحد «الآباء» الروحيين للمبادرة، تنقل المصادر عنه تلميحات الى «أننا أدّينا واجبنا بترشيح فرنجية وماضون فيه... ولكن الى متى؟»، علماً بأن جنبلاط لم يسحب بعد من التداول اسم مرشحه «الحيادي» هنري حلو. ورغم تأكيد أوساط زعيم المختارة أنه لم يسقط ورقة فرنجية، كانت لافتة، أمس، إشارة الوزير السابق غازي العريضي الى أن ترشيح زعيم المردة «تسوية لا يمكن أن تمر حالياً»!
ــ حراك متصاعد لـ«متطرفي المستقبل» في وجه المبادرة. بعد أشرف ريفي، أكد النائب أحمد فتفت، بعد زيارته جعجع الأسبوع الماضي، أن «لا اسم مقدساً، وإذا كانت هناك طروحات بديلة فأهلاً وسهلاً». وأمس، توّج الرئيس فؤاد السنيورة مواقف هؤلاء، في حضور جعجع نفسه، بالتأكيد أن «انتفاضة 14 آذار لا تزال حاجة وطنية»، مستعيداً كل مفردات قاموس العداء لحزب الله، الحليف للمرشح الحريري المفترض!
في المقلب الآخر، تبدو أطراف 8 آذار في «عالم آخر». هنا، العين على التطورات الميدانية في الاقليم: موازين القوى في العراق وسوريا واليمن تنقلب بشكل واضح لمصلحة المحور الذي تنضوي هذه القوى فيه. انقلابات كبيرة متوقّعة في الميدان في الأسابيع المقبلة، خصوصاً في سوريا، ستكون لها انعكاسات كبيرة لبنانياً. إذا كانت تطورات الفترة الماضية أجبرت الطرف المقابل على قطع نصف المسافة والتسليم بقبول ترشيح فرنجية ــ حليف إيران وسوريا ــ الى الرئاسة، فإن تطورات الفترة المقبلة قد تجبره على اجتياز القسم المتبقّي والقبول بميشال عون رئيساً. وفي الغضون، لا أحد في وارد إعطاء الحريري الحكم كله مقابل رئاسة باتت في جيب 8 آذار.
في الرابية ارتياح و«ثقة زائدة بالنفس» مبنية على قراءة التطورات الميدانية في دول الجوار، وأساساً على «ثقة مطلقة» بالتحالف مع حزب الله وبالأبعاد الاستراتيجية لهذا التحالف. قادمون من موسكو، أخيراً، نقلوا الى الرابية أن الروس مع «ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية»، لكنهم مقتنعون بأن «أي حل، سواء منّا أو من الأميركيين، يحتاج الى التفاهم مع حزب الله». وهم يتفهّمون أهمية «السلة المتكاملة»، بما فيها قانون الانتخاب، وضرورة الأخذ برأي الحزب وعون في أي حل. لـ«الروس الجدد» كلمتهم في لبنان الذي بات جزءاً من أمنهم الاستراتيجي منذ طلبهم تحويل خطوط الطيران من مطار بيروت وإليه، وسط صمت أميركي. أما الحماسة الأوروبية، وضمناً الفاتيكانية، لانتخاب «أي رئيس»، فلا يُعوّل عليهما «بعد العجز عن الوقوف في وجه تصفية المسيحيين في سوريا والعراق».
خلاصة المبادرة، بحسب وصف مصادر في 8 آذار، أنها أُريد لها أن تكون «ضربة معلّم» حريرية... لكنها «علّمت» في 14 آذار أكثر مما فعلت في 8 آذار. الفريق الأخير احتوى الأمر: أفشل عون مفاعيل «الإسفين» الذي أُريد دقّه في العلاقة بينه وبين المقاومة، ولم ينسق الحزب بعواطفه مع فرنجية، ولا انساق الأخير بعيداً في التغريد خارج سرب فريقه السياسي. لا بل أن عيد الميلاد كان مناسبة للتواصل بين الرابية وبنشعي.
أما في المقابل، فالمفاعيل تكاد تكون كارثية:
ــ شرخ عميق في العلاقة بين الحريري وجعجع يحتاج لحمه الى أكثر من حضور رئيس القوات في مسجد الأمين في وسط بيروت أمس. أيّاً يكن غزل السنيورة بـ«رسالة» 14 آذار، لن تبتلع القاعدة القواتية، بسهولة، الإهانة التي وجّهها تيار المستقبل لقيادة المكوّن المسيحي الأساسي في هذا الفريق.
ــ إسقاط شعار لا رئيس من 8 آذار، بعدما سقط أي مأخذ لعماد فريق «ثورة الأرز»، تيار المستقبل، على أيّ مرشح تربطه علاقة مع المقاومة وسوريا.
ــ صعوبة العودة الى نغمة المرشح الحيادي بعدما أقرّ الحريري بأن شرعية التمثيل المسيحي في النظام تتأتّى من انتخاب رئيس قوي.
ــ قطع الشك باليقين بأن ليس لدى الأكثرية النيابية الحالية القدرة على أن تسمي رئيساً، فضلاً عن القدرة على إيصاله الى بعبدا.
«المبادرة انتهت»، تؤكد مصادر في 8 آذار. «المبادرة لم تنته» تؤكد مصادر أخرى أكثر تفاؤلاً في الفريق نفسه، وتضيف: «بل ستنتهي بترشيح عون بعدما بدأت بترشيح فرنجية»!