في هذه الفترة من العام الماضي، شهدت دار «بونهامز» اللندنية مزاداً هو الأوّل من نوعه بعنوان «قرن من الحداثة العراقية»، يحتوي أعمالاً لفنانين معروفين، راصداً حركات فنية بارزة في القرن العشرين، نظّمه رئيس قسم المبيعات والفنون المعاصرة والشرق أوسطية في الدار نيما ساغارشي.

وفي ظل تزايد الاهتمام الغربي بأسواق الفن العربية والشرق أوسطية، يتولّى ساغارشي نفسه الإشراف على الحدث البارز الذي تشهده «بونهامز» اليوم للمرّة الأولى أيضاً، بالتعاون مع «الجمعية اللبنانية البريطانية» (BLA) التي ستستحوذ على جزء من الأرباح، على أن تستخدمها في تقديم منح للبنانيين راغبين في إكمال دراستهم العليا في بريطانيا.

مساهمة في نقل الفن المحلي إلى مرحلة جديدة على صعيد العالم

عند الساعة الرابعة من بعد الظهر بتوقيت بيروت، ينطلق مزاد «الفن اللبناني والفن الحديث في الشرق الأوسط» الذي يضم مجموعة كبيرة ومنوّعة من اللوحات والأعمال الفنية التي تحمل توقيع نخبة من الأسماء اللبنانية المعروفة من أجيال ومدارس وتيارات مختلفة، إضافة إلى قطع لفنانين من مصر وإيران والعراق وسوريا والكويت والجزائر وتونس، ترصد الفن الحديث والمعاصر في المنطقة.
اختيار المجموعات المعروضة لم يكن عبثياً، لا سيّما في الشق المتعلّق بالفن اللبناني. نحن أمام أمثلة نادرة ومهمّة ومميّزة من القرن العشرين. تختصر هذه الأعمال حركة الفنون التشكيلية اللبنانية وتحوّلاتها ومراحلها، وهي تبدأ بداوود القرم (1854 ــ 1930)، أوّل من اتُفق على تسميتهم بالروّاد، وتمر بأعمال لخليل صليبي وجبران خليل جبران، إضافة إلى أخرى حديثة ومعاصرة تحمل توقيع سلوى روضة شقير، وإيتل عدنان، وعمر الأنسي، وصليبا الدويهي، ومصطفى فروخ، وخليل زغيب، وبول غيراغوسيان، وشفيق عبود، وإيلي كنعان، وقيصر الجميّل، وبيبي زغبي... وصولاً إلى أيمن وأسامة بعلبكي، ولودي أبي اللمع، وغيرهم.
هنا منظر طبيعي كلاسيكي من منطقة الأشرفية البيروتية (1881) لداوود القرم، ووجوه بريشة خليل صليبي وسرور الدويهي، وجبران خليل جبران الذي نشاهد له عملاً نادراً بعنوان «بورتريه للسيّدة ألكسندر مورتن» عُرض أوّلاً في باكورة معارضه في عام 1914 في نيويورك قبل أن تختفي لأكثر من قرن. وفي «بورتريه لكاري أود»، نرى وجه زوجة خليل صليبي، ثم امرأة قيصر الجميّل العارية المستلقية، فضلاً عن لوحة أيمن بعلبكي التي تصوّر المبنى المفترض لـ «سينما سيتي» (وسط بيروت) المعروف بـ«البيضة» أو «الدوم»، والشاهد على الفظائع والنيران التي التهمت بيروت على مدى 15 عاماً.
هذه أمثلة خجولة عمّا سيضمّه مزاد اليوم. لكن ما الذي يدفع إلى تخصيص الفن اللبناني بحدث كهذا؟ يشدّد نيما ساغارشي في مقابلة مع قناة CNBC الأميركية على أنّ أحد أهم الأسباب هو «تزايد الاهتمام حول العالم بهذا النوع من الفن، حتى من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالمنطقة. سوق الفن الشرق أوسطي في ازدهار مستمرّ، ونأمل أن نساهم في تسليط الضوء عليه ونقل الفن اللبناني إلى مرحلة جديدة على صعيد العالم، وإبقاء الحلم بلبنان الجميل حيّاً». في نهاية كلمته المكتوبة ضمن الكتالوغ الترويجي للحدث الذي كتب مقدّمته الفنان والشاعر اللبناني سمير الصايغ، يلفت الخبير الفني الإيراني إلى أنّ الإقدام على هذه الخطوة ينطلق من «تقدير تميّز الفن اللبناني وشهرته وأهميته. فهذا البلد احتل على مدى آلاف السنين موقعاً فريداً في المشهد الثقافي في الشرق الأوسط؛ من أيّام الفينيقيين حتى اليوم. لا يمكن التغاضي عن اختلاف لبنان عن محيطه لجهة القيمة الاجتماعية والتاريخية»، مضيفاً: «عدد المغتربين اللبنانيين يفوق الـ 15 مليوناً، وبينهم أسماء لامعة في ميادين فنية». وفيما يثني ساغارشي على «التنوّع الذي يطبع المجتمع اللبناني»، يشير إلى أنّه «رغم أنّ هذا التنوّع أدّى إلى نتائج سلبية كثيرة، أبرزها الحرب الأهلية المريرة، عادت الحياة الثقافية والفنية للازدهار». وكما يحصل عادةً في المواعيد الفنية المشابهة، يتوقّع المراقبون أن تحظى الأعمال اللبنانية بحفاوة كبيرة وأن تحقق أرقاماً عالية.