لم يكن هناك غير غريغوار حداد، ليشرح المعنى الحقيقي لعبارة "الألزهايمر الروحي" التي استخدمت قبل أيام. كان الرجل قد رحل قبلها بساعات. تاركاً الساح للمسترزقين من سياسيي العملة والغفلة، ليجتهدوا في السياسة والدين والإعلام ــــ الإعدام واللاهوت...

أصلاً لا يمكن فهم قصة غريغوار حداد وكلام فرنسيس عن الخرف الإيماني إلا في سياق أوسع. بدات القصة في الستينات. في عقد الزمن الجميل والثورات الحقيقية الأصيلة التي مسرحها العقل وموضوعها المطلق. لا تلك الممسوخة التي مسرحها السلطة وموضوعاتها الدم. في ذلك الزمن، كانت المسيحية كنظام فكري أمام تحدٍّ جديد، للمرة الأولى منذ قرون النهضة والأنوار. شيء من امتحان إنسانية يسوع في مواجهة لا إنسانية مصادريه، حيال قضايا الظلم والقهر والجوع والوجع وكل مخلّفات الاستبداد. راحت القصة تنضج بشكل لافت في أميركا اللاتينية. لأسباب تتعلق بجوار واشنطن وتعاطي الأخيرة مع تلك الشعوب كأنها حيوانات استهلاكية تابعة، تنصّب عليها أنظمة الزمر العسكرية، وتنهب ثرواتها ولا من يثور. فيما كل بنيات المجتمع تغطي وتبرّر وتتواطأ. ومنها أمراء الكنيسة. هكذا وجد يسوع نفسه هناك في مواجهة عارية بين وجهه الحقيقي وبين أقنعة وجهه الدجال على تلك الوجوه الصفراء. كان يسوع في معاناة استلاب، بين روحه المصلوبة في كل فقير ومظلوم من خليج المكسيك حتى أرض النار... فولد لاهوت التحرير هناك. فكر إيماني ملتزم، يقول بقدسية الإنسان، وقدسية نضاله ضد الظلم والطغيان. حتى قدسية حمله للسلاح من أجل مقاومة الشر ونصرة الحق. يومها، كان خورخي ماريا برغوغليو ــــ البابا فرنسيس راهناً ــــ واحداً من الذين عاشوا تلك الثورة في شوارع بيونس إيرس الفقيرة. ومع انعقاد أول مجمع لثوار لاهوت التحرير في ميديلين في كولومبيا، كان الشاب الأرجنتيني يسام كاهناً، بعمر 33 سنة. بعمر يسوع يوم صلب، يسوع الذي كان يصلب كل يوم في بيئة الراهب الجديد، فيما سلطاته كافة، المدنية والكنسية، تتوزع الأدوار بين قيافا وبيلاطس...
في تلك المناخات بدأ يتكوّن وعي غريغوار حداد في بيروت. يوم كانت بيروت جزءاً من ذلك العصر المختلج بانقباضات العقل والفكر في صراعهما مع جهل المتسلّطين وعهرهم. ولم يكن مطران الفقراء استثناء. بل كان ابن كنيسة النضال يومها. ابن جيل كامل من تلامذة يسوع الأصيلين، الذين قرروا رفع الصوت من أجل حقيقة معلمهم ونقاء وجهه في حياتهم ومجتمعهم. لم يكن ابن إنجيلي سوق الغرب حالة فريدة يتيمة. لا بل كان اندماجاً ضمن موجة كاملة من ثوار يسوع البيروتيين. ثوار اجتاحوا كل المذاهب والكنائس. ففي المنظومة الفاتيكانية، كان هناك عصف عظيم، تُوّج في خلوة يسوع الملك التي انتهت إلى نداء ثوري إصلاحي داخل الكنيسة والمجتمع، وضد إستابليشمانت كل منهما. ثورة شارك في خلوتها تلك وندائها التاريخي رجال كبار. بعضهم انتهى مضطهداً سراً ومهجراً طوعاً حتى الوفاة خارج لبنان. وهي الثورة نفسها التي عكسها غريغوار حداد ضمن كنيسته. فيما كانت الكنيسة الأرثوذكسية تعيش الصراع نفسه. حيث حاولت طبقة "كهانها" تلوين المواجهة. فوصفوها بأنها اختراق سوفياتي للصرح الشرقي الأقرب إلى اثينا. وهو ما امتطاه الكهان يومها ليقمعوا الثوار، مع إلغاء حق العوام ــــ أو العلمانيين ـــــ في المشاركة في إدارة كنيستهم. قمع لا يزال مستمراً حتى اليوم!
طبعاً لم يشارك "الإسلام الرسمي" في تلك الثورة. ظل ـــــ كما دوماً وحتى اليوم ـــــ غارقاً في استنقاعية ركون الفكر الديني. الركون ذاته الذي جعل جلال خوري يقول باستحالة وجود مسرح في ذلك الفكر. حيث لا قلق وجودياً ولا سؤال. غير أن أصواتاً معبّرة عن ثورة مقموعة لدى مسلمين متنورين كانت حاضرة. من العلايلي إلى جلال العظم وما بينهما.
حتى أنه يصح الاعتقاد بأن أحد أسباب اندلاع الحرب في لبنان سنة 1975، كان ضرب تلك الحركة الفكرية الثورية التنويرية المشتركة. طبعاً كانت ثمة سلسلة لا تنتهي من الأسباب الداخلية والخارجية المعروفة والمتكررة. لكن كان هناك هذا الرعب لدى طبقة حاكمة، من مدنيين وروحيين، من منتفعي سلطة سياسية ــــ دينية مشتركة. رعب من أن تأتي ثورة الإنسان على السلطتين. سبب ساهم في توقيت الحرب. كي تعيد الناس إلى خوفها البدائي. وإلى نوازعها البدائية. الله وأصنامه والغيب وقبلياته ... حتى عاد القطيع كل إلى "كرعوبه".
السياق نفسه يعود اليوم. ولم ينحسر في أي يوم اصلاً. وفي هذا السياق عدّد فرنسيس أمراض أهل الكنيسة. ستة عشر مرضاً، منها المجد الباطل، العداوة، انقسام الشخصية الوجودية، الثرثرة، تأليه الرؤساء، اللامبالاة تجاه الآخرين، التعلق بالأشياء المادية، التجميع المرضي، الدوائر المغلقة، الربح العالمي... ومرض الألزهايمر الروحي، الذي شخّصه فرنسيس بأنه "نسيان تاريخ الخلاص، تاريخ الحب الشخصي مع الرب".
ومرة أخرى لم تصل ثورة فرنسيس إلى أرضنا. كان واجب عارفي يسوع تثوير الشرق. باسم الإنسان المطلق لا غير. فمشكلة الإسلام السياسي بكل أصولياته وداعشياته، ليست مع المسيحي. بل مع الإنسان. مشكلته مع مدوّنة رائف بدوي ومع نهد علياء المهدي ومع قصيدة محمد المسمري ومع جسد ناديا بوستة ... ومع كل إنسان وكل الإنسان.
الألزهايمر الروحي هو ألا نخوض معركة الحرية ومعركة الإنسان إلى جانب كل هؤلاء. وباسم الإنسانية والحرية، لا باسم قبيلة ضد قبيلة. هذا هو تشخيص المرض المقصود، قبل أن نقبض ثمن رئيس ونبيع وطناً وجمهورية ودولة... رحل أسقف بيروت. رحم الله الاثنين.