لم تشهد الحرب السورية اتفاقاً بين طرفين متحاربين بهذا الحجم من المشاركة الدولية والعسكرية. دول إقليمية عدة، بالإضافة إلى الدولة السورية، أسهمت في اتفاق «الزبداني ــ كفريا والفوعة». كانت المصالحات السابقة - أو المعمول بها حالياً - تجري بين لجان محلية تتوسط بين طرف رسمي سوري والمسلحين، وفي بعض المناطق كانت الأمم المتحدة شريكة في التنفيذ من حيث الرعاية والضمانة. لكن ما شهدناه أمس، يُظهر التداخل الكبير في النفوذ الإقليمي في الحرب السورية. «صفقة» دخلت فيها إيران وتركيا ولبنان، لنشهد عملية دقيقة بين الأراضي السورية ومعابر جوية وبرية تركية ولبنانية. في الشكل، يأخذ إخلاء جرحى الزبداني والجرحى المدنيين وعوائلهم من كفريا والفوعة طابعاً إنسانياً، في بقعتين محاصرتين. أما عملياً، فكانت المعارك في البلدة القريبة من الحدود اللبنانية ذات منحى يتخطّى موقعها الاستراتيجي المؤثر في الميدان في ريف دمشق إلى القلمون والحدود اللبنانية. كذلك، كانت عمليات «جيش الفتح» في إدلب تُظهر الإيقاع التركي في الهجوم أو «الانسحاب» نحو طاولة التفاوض. أنقرة أظهرت أمس، أيضاً، إمساكها بتفاصيل الميدان المعارض شمالاً، إذ سهّلت عملية إخراج جرحى كفريا والفوعة، فارضة مواكبة كبيرة من المسلحين للقوافل لحمايتها من أيّ عوائق على طول الطريق.

مسار المعارك والمفاوضات

مع اشتداد الحصار على البلدتين الإدلبيتين (بدأ الحصار مع سقوط مدينة إدلب في 28 آذار الماضي) وتقدم الجيش السوري والمقاومة في مدينة الزبداني، كان «الربط» بين المنطقتين يلوح في الأفق عند معنيين بالمعارك.
بالنتيجة، عاملان حسما إبرام الاتفاق وتنفيذ بعض بنوده بدءاً بالهدنة، أولها الصمود الكبير الذي أبدته لجان حماية كفريا والفوعة بعد الهجوم المتكرر عليها، والذي حشدت له المعارضة الآلاف من مقاتليها، بالتوازي مع حصار المسلحين في الزبداني في بقعة صغيرة لا تتجاوز 1 كلم2، ليكونوا أمام خيار الاستسلام لا غير.

صمود «لجان» كفريا والفوعة وحصار الزبداني أنجحا التسوية

عشرات الهجمات العنيفة على البلدتين الإدلبيتين، صُنف نحو 6 منها «معارك تحرير المستعمرتيْن»، أحدها هجوم في 11 آب بدأ بمئات القذائف وعربتين مفخختين. فشل الهجوم ليظهر يوم السبت 15 آب «مسودة اتفاق» يبدأ بهدنة في المنطقتين مقابل مطالب عديدة للمسلحين، منها إطلاق سراح آلاف المعتقلين من السجون السورية. لكن سريعاً عادت السخونة إلى مناطق الاشتباك بسبب سقف المطالب العالي، ورغم ذلك وضع التفاوض على السكة، وبقيت مسألة البنود بين أخذ وردّ.
في مكان آخر، كانت تركيا تشهد اجتماعات ولقاءات ثنائية مع موفد إيرانيّ وآخر من «حركة أحرار الشام»، ليظهر بعد عراقيل عدة أنّ الطرف السوري جادّ في الاتفاق بالطريقة التي يجدها مناسبة، بعد إفشال مشاريع اتفاقات بسبب بعض الأطراف المسلحة وخلفها الراعي التركي.
في 18 أيلول بدأت المحاولة الكبرى لاقتحام كفريا والفوعة: سبع مفخخات و400 انغماسي وقصف متواصل. أظهر إعلام المهاجمين في «جيش الفتح» (وخلفه «الحزب الإسلامي التركستاني» و«جبهة النصرة» و«أحرار الشام») أنّ «التحرير قاب قوسين» و«الاتفاق بات خلفنا». حلّ الصباح وكانت «التنسيقيات» وحسابات «القاعدة» وأخواتها تحصي خسائرها، ليبان على نحو قاطع قدرة المدافعين على الصمود، وشلّ قوة النخبة من المجموعات المهاجمة.
أمام «ستاتيكو» كفريا والفوعة وحصار المسلحين، كانت «طبخة» الاتفاق تستوي، حيث كان الطرفان بحاجة إليها: السوريون والمقاومة اللبنانية لمنع مجزرة في بلدتين منهكتين تحت وطأة النار والحصار، ومجموعات كبيرة من المسلحين رُبط مصيرهم أيضاً ببلدتي مضايا وبقّين المجاورتين للزبداني حيث عائلات المسلحين والنفوذ المشترك.
وبعد يومين من الهجوم المشار إليه أعلاه و«الإنذارات» السورية العنيفة بقصف مواقع المسلحين في قرى ريف إدلب الشمالي ومحيط الزبداني، قبلت المجموعات المسلحة بهدنة 48 ساعة، تجنباً لمقتلة في الزبداني، ووقف الاستنزاف في مناطق الاشتباك على تخوم البلدتين الإدلبيتين.
حينها، وافقت «جبهة النصرة» وخلفها «جند الأقصى» على طلب «أحرار الشام» بقبول الهدنة بتدخّل تركي، لتَطلب أنقرة من طهران التواصل مع السلطات السورية للاتفاق على الهدنة. وبالتوازي مع سكوت المدافع كانت جولة جديدة من المفاوضات تجري، لتتضمن «وقف إطلاق النار في مناطق الزبداني، مضايا، بقين، سرغايا»، إضافة إلى عدد من البلدات الإدلبية، وخروج المقاتلين من الزبداني إلى إدلب»، في المقابل يجري «إخراج النساء والأطفال دون الثامنة عشرة والرجال فوق الخمسين من الفوعة وكفريا، والجرحى» من كفريا والفوعة.
في 27 من أيلول وضع الاتفاق على سكة التنفيذ، لتبدأ الهدنة في المناطق المتفق عليها، ثمّ بقيت سائر البنود معلّقة، بسبب رفض مجموعات مسلحة تأمين طريق الجرحى والمدنيين الخارجين نحو الحدود التركية، رغبة في إضافة قرى إضافية تشملها الهدنة، كسراقب.
التعثّر الإضافي أسهمت فيه التحولات الميدانية المستجدة بدخول الطائرات الروسية في الأجواء السورية، والمعارك التي اشتعلت في غير منطقة من ريف حماه الشمالي باتجاه ريف إدلب الجنوبي، وفي ريف حلب الجنوبي المتاخم لريف إدلب الشمالي، لتكون القوات السورية المتقدمة هناك على بعد نحو 20 كلم من كفريا والفوعة.
الترقّب المستمر، المصحوب بخروقات للهدنة تجاوزت العشرين بين قصف وقنص وإطلاق رصاص باتجاه الحواجز من الطرفين، لم يطح الاتفاق.
في 18 تشرين الأول الماضي، تأكّد أن «بند الهدنة» لن يبقى يتيماً، لتدخل قوافل المساعدات إلى البلدات المحاصرة.
ثمّ أمس، أُتمَّت المرحلة الثانية من الاتفاق، مع وصول قافلتين ضمّت سيارات إسعاف وحافلات إلى الزبداني وكفريا والفوعة، حيث أُخرج الجرحى من الطرفين بنحو متزامن. ونّص الاتفاق على خروج 337 فرداً من كفريا والفوعة (123 جريحاً مع 214 فرداً من عوائلهم)، مقابل 123 (64 جريحاً يرافقهم 59 شخصاً من عائلاتهم) من الزبداني عبر الصليب الأحمر الدولي، سمح لكل واحد منهم بحمل حقيبة كتف معه.
وشهدت الحدود اللبنانية إجراءات أمنية مشددة بانتظار عبور موكب المسلحين الذي اجتاز نقطة المصنع الحدودية باتجاه مطار بيروت الدولي، ومنه إلى تركيا. وانتظرت، عند المصنع، 22 سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني يواكبها الأمن العام لتسلّم مصابي الزبداني. واتجهت القوافل باتجاه مطار بيروت الدولي، بالتوازي تحركت القوافل من كفريا والفوعة، باتجاه معبر باب الهوى على الحدود التركية. وفي وقت متأخر من ليل أمس، اقلعت الطائرتان بالتزامن من مطاري بيروت وأنطاكية.
وكانت الحافلات قد وصلت فجراً إلى أحد حواجز اللجان الشعبية في الفوعة، ثمّ أزيلت السواتر والحواجز لفتح الطريق للحافلات لتنتقل في الساعة 12:30 باتجاه بلدة معرة مصرين المحاذية، حيث بقيت الحافلات عند مدخل البلدة نحو ساعة حتى خروج القوافل من الزبداني وبعدها تحركت القوافل باتجاه أوتوستراد باب الهوى ورافقها مسلحون من «جيش الفتح» برفقة منسقي الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري. ومن المقرر في المرحلة المقبلة، السماح بإدخال مساعدات إنسانية وإغاثية إلى الفوعة وكفريا، إضافةً إلى مضايا والزبداني، حسب مصادر متابعة.




دور الصليب الأحمر والأمن العام

تواصلت التحضيرات لعملية إخلاء جرحى الزبداني في الأشهر الثلاثة الماضية، بالتنسيق بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب الأمم المتحدة في سوريا، والهلال الأحمر العربي السوري والصليب الأحمر اللبناني. وعند نقطة المصنع الحدودية، توّلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا والهلال الأحمر السوري عملية إجلاء جرحى المسلحين من الزبداني لتسليمهم للجنة الدولية العاملة في لبنان والصليب الأحمر اللبناني.
وبعد فحوصات طبية أوّلية، نُقل المصابون بالتعاون مع الأمن العام اللبناني إلى مطار بيروت، حيث أنشأت «اللجنة الدولية» والصليب الأحمر اللبناني نقطة طبية داخل المطار، فتلقى بعض الجرحى الرعاية الطبية قبل رحيلهم. كذلك، وفّرت «اللجنة الدولية» والصليب الأحمر اللبناني الخدمات اللوجستية، بما في ذلك الإمدادات الطبية وسيارات الإسعاف التي ساعدت في النقل وتوفير الرعاية الصحية، بتنسيق مع السلطات اللبنانية المعنية. وعُقد يوم السبت الماضي اجتماع في المطار مع الأمن العام اللبناني لتسهيل المهمة، وسبقه اجتماع موسّع آخر منذ أسبوعين.