العلاقة الملتبسة ما بين «عطارد» و»زحل» وتموضع «المريخ» على خط «المشتري» و»الزهرة» قد تحدد مسار عام كامل بحسب ما يقال لنا. الاكيد في الموضوع اننا نسمع ولا نفهم شيئاً، منتظرين الخلاصة الاوضح والاقرب للاستيعاب. على المنوال نفسه نسمع ولا نفهم كيف تتحسن العلاقة او تتدهور بين السياسيين في لبنان، لكن المحتم اننا نستشعر آثارها. عام 2016 لن يختلف كثيراً عن عام 2015 من الناحية الاقتصادية بالنسبة للبنان، طالما ان الوضع في المنطقة والواقع السياسي اللبناني ثابتان لا يتغيران.


النفط... سيف ذو حدين

تدهور أسعار النفط وتوقع هبوطها الى حدود غير مسبوقة في العام المقبل تحمل في طياتها ايجابيات وسلبيات بالنسبة للبنانيين. الحسنات تكمن في انه وفي حال واصلت انخفاضها فإنها ستؤدي الى وفر على ميزان المدفوعات قد يتجاوز 2.5 مليار دولار، وستساهم في رفع القدرة الشرائية للبنانيين بحوالى 1.5 مليار دولار سنوياً.
في المقلب الآخر، فإن الذهب الاسود قد تكون له انعكاسات قاتمة على الاغتراب اللبناني لن يسلم منها لبنان المقيم. تدني اسعار النفط سيؤثر بشكل كبير على اللبنانيين العاملين في دول الخليج والدول الافريقية النفطية ما سيؤدي الى تراجع التدفقات المالية بحوالى الثلث، اضافة الى الحد من فرص العمل في هذه الدول وخاصة في قطاعي النفط والغاز ما سينتج عنه ارتفاع في نسب البطالة في لبنان.

نفط لبنان... باق في البحر

تدني اسعار النفط سيؤدي الى تراجع التدفقات المالية
على صعيد القطاع النفطي، فان استمرار الخلافات حول البلوكات التي يجب تلزيمها اولاً، والتأخير في ترسيم الحدود البحرية واطلاق المناقصات، ستزيد من تجميد الملف وتؤدي الى دق مسمار جديد في مصداقية لبنان لدى الدول المنتجة للنفط من جهة، ولدى الشركات النفطية العالمية من جهة أخرى. طبعاً هذه «البلادة» اللبنانية ليست مرتبطة بأسعار النفط، وبالتالي استراتيجية لبنانية تقوم على التروي حتى تعاود الاسعار ارتفاعها، لا بل هي مثال آخر على الفرص الضائعة في وحول المناكفات اللبنانية.

ارتفاع العجز... وتخفيض التصنيف الائتماني

في حال عدم إقرار الموازنة لعام 2016، واستمرار الانفاق على اساس القاعدة الاثني عشرية، يتوقع ان يرتفع العجز الى اكثر من 9.5% من الناتج المحلي في ظل غياب الرقابة وتفشّي الفوضى.
ارتفاع العجز سينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني ككل وعلى القطاع المصرفي بشكل خاص. فبعدما خفّضت وكالة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني النظرة المستقبلية للتصنيف الائتماني السيادي للبنان من مستقر الى سلبي، من المحتمل ان يخفض التصنيف الائتماني للبنان الى CCC، ما سيؤدي الى رفع الفوائد للقطاعين العام والخاص ويؤثر في كلفة المصارف الاقتراضية من الاسواق الخارجية، في وقت يستدعي فيه دعم النشاط الاقتصادي تخفيض الفوائد.

السياحة والذكريات الجميلة

المصاعب التي عانى منها القطاع السياحي اللبناني عام 2015 لن تنتهي قريباً لا بل هي مرشحة للازدياد، في ظل تأثر الاغتراب اللبناني بانخفاض اسعار النفط كما سبق وذكرنا، اضافة الى تراجع حركة السياح الاجانب وخاصة العرب بسبب المخاطر الامنية المحدقة وتباطؤ الاقتصاديات في الخليج.
ولأن قطاع الخدمات يرتبط الى حد كبير بالسياحة، وفي ضوء المعطيات السياحية السلبية المتوقعة، يرجح ان تستمر حالة الركود في هذا القطاع مع احتمال كبير ان يشهد عام 2016 اقفالاً لبعض المطاعم والمؤسسات وحتى الفنادق.

الصناعة والزراعة... والأسر السوري

القطاعان الصناعي والزراعي سيظلان اسيري اقفال الحدود البرية والوضع الامني في سوريا ما سيزيد من الكلفة ويقلل من تنافسية البضائع اللبنانية، ما قد يسلط سيف الافلاس على بعض المؤسسات الصناعية والزراعية ويزيد من مشقة الصمود للبعض الآخر.

القطاع العقاري... جمود مستمر

بعد ان كان القطاع العقاري وقطاع البناء يشكلان سوياً نسبة 20 في المئة من الاقتصاد اللبناني، أي من الناتج المحلي الإجمالي، تراجعت مساهمتهما عام 2015 الى حوالى 18 و17%.
وفي دلالة لافتة على حجم التدهور في هذا القطاع، تراجعت المبيعات العقارية خلال الفصول الثلاثة الماضية من العام الحالي 2015 مقارنة بالفترة ذاتها عام 2014 بأكثر من مليار دولار، من حوالى 6.7 مليارات دولار في عام 2014 إلى حوالى 5.7 مليارات في الفترة ذاتها من العام الحالي. فقد سجل انخفاض في معاملات البيع العقارية بنسبة 13 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2015.
ومع الجمود السياسي الراهن، أكان على المستويين الوطني والاقليمي والمخاطر الامنية التي تلقي بظلالها ومع استبعاد حصول تغيرات جوهرية على المدى المنظور، يتوقع ان تستمر حالة الجمود في القطاع العقاري وخاصة من قبل المستثمرين العرب والمغتربين اللبنانيين، على ألا تتأثر حركية المشترين اللبنانيين المقيمين الى حد كبير.

سوريا: فسحة أمل؟

في حال حصول معجزة وتوقف القتال في سوريا، سيفتح المجال امام فرص عمل هائلة للبنانيين وفي مختلف القطاعات خاصة المقاولات والمصارف، اضافة الى الآثار الايجابية التي قد تنتج عن عودة النازحين السوريين الى ديارهم ما سيخفف من الأعباء على الاقتصاد الوطني خاصة ان الاقتصاد اللبناني سجل خسارة حوالى 20 مليار دولار جراء النزوح السوري خلال اربع سنوات.
قد لا تبدو التوقعات العامة للاقتصاد اللبناني عام 2016 ايجابية، وهي في الواقع عرضة لتأثيرات خارجية لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، وقدرته شبه معدومة على التأثير فيها وفي مجرياتها، وبالتالي لا مجال لتحميل المسؤوليات في هذا المجال. ولكن، كما يظهر، فإن الرعونة السياسية والمهاترات وتغليب المصالح الشخصية عند السواد الاعظم من الطبقة الحاكمة في لبنان تظهر تبعاتها اقتصادياً وعلى مستوى معيشة اللبنانيين الساكنين كنفطهم القابع في عمق البحار... في انتظار الفرج.