محرقة» غزة ليست معزولة. إنها نتيجة حتمية لتراكم صمت عربي، وتواطؤ في كثير من الأحيان، أطلق اليد الإسرائيلية في القطاع لتصفية حركة «حماس»، ومعها المدنيون من النساء والأطفال (تفاصيل ص 18 ــ 19 ــ 20ــ 21).

72 شهيداً وأكثر من 250 جريحاً خلال 48 ساعة. لم يسقط هؤلاء بآلة الحرب الإسرائيلية فقط. لا يمكن لأحد أن يغسل يديه من الدماء التي سالت وتسيل في أزقة القطاع ومخيماته. هناك من حرّض على الجريمة وغضّ الطرف عن مجازر ليست وليدة الأمس. وأمس لن يكون نهايتها أيضاً.
حاول العرب التغطية على شراكتهم غير المباشرة في هذه «الإبادة». تباروا على إصدار بيانات شجب لا تسمن ولا تغني من جوع. ولم ينسوا طبعاً التمسّك بـ«الفوز في معركة السلام مع النازيين الجدد في إسرائيل». هذا ما ورد في إدانة السعودية، التي تباهى وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل بـ«العلاقة النديّة» مع الولايات المتحدة، إلا أنه لم يتحدّث عن توظيف هذه «النديّة» في خدمة وقف إهراق الدماء في غزّة.
عموماً، إسرائيل غير آبهة بـ«معركة السلام العربية». لديها معركة أخرى تخوضها. رئيس حكومة الاحتلال، إيهود أولمرت، رفض توجيه «وعظ أخلاقي» لإسرائيل على استخدامها «قوة مفرطة»، وهي العبارة التي سبق لوزارة الخارجية المصرية أن استخدمتها في إدانتها لمجزرة يوم الجمعة الماضي.
شدّد أولمرت، المدعوم بفيتو أميركي منع إدانة مجلس الأمن لمجزرة غزة، على مواصلة الجرائم وعدم إيقافها «ولو للحظة واحدة». تصريح يأتي ردّاً على قرار الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس وقف التفاوض مع إسرائيل إلى أن توقف عدوانها، ما يؤكّد أن المفاوضات التي من أجلها قسّم عباس شعبه ليست واردة في الحسابات الإسرائيلية، سواء استمرت أو توقفت. ولكن إلى أي مدى سيلتزم عبّاس بقراره على أعتاب زيارة «راعية السلام» وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال اليومين المقبلين، والتي من المؤكّد أنها ستسعى إلى جمع الرجلين، ومن شبه المؤكّد أيضاً أن عباس لن يخذلها.
وبات واضحاً أن إسرائيل تسعى إلى تكريس معادلة جديدة عنوانها «وقف الصواريخ مقابل وقف المجازر»، بغض النظر عن الحصار الذي يبدو أنه سيبقى قائماً حتى إذا انصاعت فصائل المقاومة إلى رغبة تل أبيب، التي تخشى توسّع نطاق المواجهة أبعد من غزة.
خشية عبّر عنها رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية (أمان)، عاموس يدلين، حين قال «إن حقيقة أن إيران وسوريا وحزب الله لا يطلقون النار الآن لا يعني أنهم خارج المعركة، بل على العكس».