تقف في نهاية الرحلة، مستعيداً كل ما رأيته. تسأل نفسك: من اين ابدأ الكتابة؟ إنها من المرات القليلة التي يحار فيها الانسان من اين يبدأ. فالمشاعر المختلطة التي خرجت بها من رحلتك تلك الى عالم التصوف اليوم، وهو عالم يبدو انه يعود الى سطح الحياة الروحية والاجتماعية في العالم العربي، تبدو متضاربة.

من اين البداية؟ وما هي اللهجة التي ستسوق النص؟ أتكون السخرية من المظاهر «السياحية» الفاقعة لعالم من المفروض انه روحي وخاص، لا بل سري احياناً؟ لكن من التقيتهم من مريدي الطرق المختلفة، من اصحاب الاسئلة الحقيقية والأجوبة الصعبة، لا يسهّلون عليك الأمر. أفيكون التصديق هو اللهجة المنشودة من باب تفضيل البعض على الكل؟ لكنك عندها ستخفي جزءاً مهماً من الحقيقة! إذاً؟
حسناً. فلتكن روايات ثلاث: رواية السائح، رواية المشكك ورواية المريد.

رواية السائح

في السابع عشر من كانون الاول من كل عام، ومنذ ٧٠٠ سنة ونيف، تتحول مدينة قونيا، عاصمة السلاجقة في القرن الثالث عشر، والمدينة التركية اليوم، الى كعبة عشاق. لكن، لا هذه الكعبة هي مكة، ولا العشاق عشاق، كما في قصص الغرام الفانية. ففي هذا التاريخ من عام ١٢٧٣ توفي الشاعر والشيخ المتصوف والفيلسوف الروحي جلال الدين الرومي. وقد اوصى، من يناديه مريدوه بلقب مولانا (تلفظ بالتركية ميفلانا)، ان لا يبكي عليه احد يوم وفاته، لأن هذا اليوم هو في الحقيقة يوم زفافه ولقائه محبوبه. مذذاك تحول ١٧ كانون اول الى يوم احتفال، يتوافد فيه المريدون والسياح سواء بسواء الى ما يعرف اليوم بمتحف الرومي ومقامه، للمشاركة في إحياء «شابي عروس» او زفة العرس، كما يسمى في التركية.
من البوسنة والهرسك، الى ايران واوزبكستان وباكستان. من لبنان الى ليتوانيا والهند واميركا. من المانيا الى مهد الصوفية: العراق، الى البيرو فأفغانستان... يبدو الآتون من تلك البلدان كما لو أنهم «ينهمرون» من خرائط قديمة للعالم، يعيدون فيها الى اللغة المتداولة اليوم، اسماء المدن والأماكن التي نمت فيها مدارس الصوفيين، ولا تزال توفد الى قونيا مريديها: من بلخ (تقع في افغانستان اليوم)، الموطن الاصلي لمحمد بن حسين الخطيبي والد الرومي الملقب بـ «سلطان العلماء»، التي تركها مجبراً اوائل القرن الـ 13 بسبب اجتياح المغول، ويقال بسبب غيرة علماء ذلك الزمان منه، الى بخارى وحران وخراسان، من الشام الى وهران الى بغداد فالكوفة وقاهرة المعز والاسكندرية... وصولاً الى اإسطنبول الحائرة بين قلبها الشرقي المسلم وعقلها العلماني الغربي.
من أضنة، التي تصلها بالطائرة بعد ساعة واحدة فقط من بيروت، او بالباخرة التي تصل الى ميناء مرسين في الاناضول، ينقلك الباص الى قونيا. هي اربع ساعات تكاد لا تحس بها لأن الباصات هنا مزودة بالانترنت.
اول ما تطأ قدماك ارض قونيا في محطة الباصات، تتجه من فورك الى «ال»عنوان: «بوتيك أوزير». وأوزير، استاذ جامعي يدرّس تاريخ التصوف، وهو صلة الوصل بين السياح والمريدين والمدينة المولوية. ميزة هذا الرجل الاولى، اضافة الى ابتسامته الواسعة وصوته العالي البهيج، انه يتحدث الفرنسية والانكليرية بطلاقة في عالم لا يتحدث الا التركية، ما جعله محطة الزامية لأي اجنبي.

تشبه الفنادق نزلاءها المفترضين الوافدين من ارياف تركيا

يملك أوزير الى جانب «البوتيك» الذي تباع فيه «الحراتيق» الصوفية، فندقاً، او بالأحرى ما يسميه هو (غيست هاوس) او «منزل الضيوف».
والمنزل، المواجه تماماً للدكان، قديم جداً، مبني على الطراز التركي القديم، هنا، كان اصحاب الطريقة المولوية يؤوون الدراويش، وخاصة «الددة» من بينهم، اي المشايخ الكبار الذين يحق لهم، الإنفراد بغرفة بعد بلوغ مرتبة معينة، هي الأعلى، في تراتبيتهم بعد شيخ الطريقة.
لكن منزل الضيوف، الذي استقبلنا فيه أوزير ليلة وصولنا مجاناً، لم يكن كذلك بالنسبة لبقية «الضيوف». هكذا تعرفنا الى مانفريد، وهو شاب ايطالي اخبرنا انه يدفع نحو 80 يورو في الليلة! كانت تلك اول «صدمة» دنيوية، مع اكتشاف الجانب العملي جداً لأوزير.
ما معنى ان يستأجر شخص هذه الغرفة الشديدة الصغر بهذا السعر؟ إلا ان يريد التباهي بأنه نام حيث كان «الددة» ينامون؟ تماماً كأولئك المهووسين بالنوم في غرف المشاهير؟
لم يكن هناك من شيء تركي في هذا المنزل اكثر من الخادمة خديجة. تضحكك عيناها وهي تلاحظ اولئك الضيوف المتقيّدين حرفياً بطقوس الحياة التركية هنا: يكادون يخلعون نعالهم بورع امام الباب، ويتناولون الإفطار بورع ايضاً. لا تعرف خديجة معنى كلمة «هيبيز»، لكن يبدو من عينيها الضاحكتين وهي تلاحق تصرفات هؤلاء الأجانب المريدين، انها تشاطرني انطباعي. أشير اليها بغمزة... فتبتسم وهي تغالب ضحكتها.
هنا في «منزل الضيوف» التقينا فريقاً من الاميركيين جاؤوا مع تلامذتهم و«شيخهم» «ابراهيم بابا»، وهو استاذ جامعي من اصل افريقي، يلبس جلابية جميلة ويضع على رأسه قلنسوة ويميزه حس الفكاهة. الرجل متزوج بأميركية ذات وجه صارم لا يضحك لـ «الرغيف السخن»، كما يقال. يبدو انها المسؤولة عن التنظيم والمحاسبة.
تعامل «كاترين»، وهذا اسمها، الجميع بصرامة. تقول لخديجة «عندما نبدأ ورشتنا لا اريد ان يدخل احد الى الدارغا» اي مكان الاجتماع. وهو هنا قاعة كبيرة مفروشة ومغطاة الجدران ايضا بالسجاد والرسوم. لا ننسى اننا هنا في بلاد تصنع السجاد ومولعة، كجارتها الايرانية، بالرسم بالنسيج.
في المساء، تقام هنا حلقات الذكر. وخلال موسم «شابي عروس» تتناوب الطرق الصوفية على اقامة حلقاتها هنا وفي قاعات الفنادق التي تمتلئ عن بكرة ابيها، وترتفع اسعارها أضعافا مضاعفة.
ليس هناك الكثير من الفنادق الفاخرة بمعنى الفاخرة في قونيا. تشبه الفنادق هنا نزلاءها المفترضين. فالى قونيا تتجه الوفود من كل ارياف تركيا ومناطقها، اضافة الى الجيران الأقرب من ايران. يأتون مع آلاتهم الموسيقية ومشايخهم في زيارة هي نوع من «زيارة للعتبات الصوفية المقدسة».
وجمال قونيا، تتقاسمه المدينة القديمة ومركزها العثماني والسجلوقي الطراز. كيفما توجهت تصل الى المركز الذي يتوسطه مقام الرومي ومتحفه. حول المقام تنتشر عشرات الدكاكين التي تكاد كلها تبيع البضاعة نفسها: تذكارات صوفية تتمحور بمعظمها حول الدراويش المولويين الذين تنتشر عدة صيغ من تماثيلهم في كل الدكاكين ومحالّ الصاغة، وحتى محال الحلويات، كما المسابح ومحال صاغة الذهب وبيع السجاد... ولا تخرج اسماء المحالّ عن القاموس الصوفي. هكذا تقرأ على اللافتات التركية المكتوبة بالحرف اللاتيني الذي استبدل به اتاتورك الحرف العربي، كلمات من نوع: محبة/ عشق/ الهي/ شفا/ مولانا/ شمس الخ.
«شيكري ميفلانا»، او حلوى مولانا، تباع في اكياس لا يتجاوز ثمن الواحد منها ليرتين تركيتين (دولاراً واحداً)، كما الدفوف والنايات وتماثيل دراويش المولوية بالزجاج الملون او بالسيراميك، اضافة الى الحلي التي تتمحور حول كلمة «هو» اي الله. وعبارات صوفية اخرى ككلمة «هيتج» اي «لا شيء» أو «العدم». وهو الوجه الآخر للعبارة الوجودية الصوفية: انا كل شيء وانا اللاشيء اي العدم.
«متر لحم بعجين»
الطعام في قونيا ليس معقداً. وهو يدور بشكل او بآخر حول اللحم واللبن: انواع مختلفة من «لهماجين» او اللحم بعجين، وهم لا يقدمونه قطعا صغيرة، بل على ألواح من الخشب طويلة جدا يمتد «المشطاح» عليها من اول اللوح الى آخره، اي ما يزيد احيانا على «متر لحم بعجين»! ويوضع اللوح على «ركيزتين» امام الزبون الذي يقتطع ما يريد.
لكن الطبق الأهم هنا، في البرد القارس الذي يدوم شهورا، هو الشوربا. عديدة هنا انواعها، ولكن اهمها «بامية شوربا» اي حساء البامية وهو باللحم ايضا (تباً للنباتيين)، وحساء اللبن، وهو بكل بساطة اللبن المطبوخ، اضافة الى حساء العدس الأشقر.
بإمكانك ان تتناول وجبة ممتازة بعشر ليرات تركية. اما الفنادق فيمكنك ان تجد غرفا جيدة جدا بخمسين دولارا حتى في الموسم، شرط الحجز قبل شهر او اثنين. والتنقل من اسهل ما يكون بالتاكسي الأصفر المزود بعداد، لولا مسألة واحدة: ان تفهمه مقصدك، وهو امر ليس بديهيا اطلاقا! فالاتراك لم يبدأوا الا منذ زمن قصير جدا تبني تعليم اللغات الأجنبية في الصفوف الابتدائية. اما السائقون، فلعلهم يجدون في انكار الفهم طريقة لمواصلة العداد... عدّه.
اما للتفاهم هنا مع الاتراك؟ فليس لك الا.. العمال السوريين!
هكذا، جلست في مطعم احاول ان أُفهم النادل مطلبي! واذا بمراهق سوري احمرّت كفاه من شدة البرد، وكساهما التقشب، يقترب مني ليفهم ما الذي اريده، وليترجم لصاحب المكان. حالما أنهى ترجمته استوقفته للحديث، فوقف مرتبكا بعض الشيء وعيناه الزرقاوان ترمقان من طرف خفي معلّمه المتجهم الوجه.
قمة الود حين تدعوك احداهن لتفرك لها ظهرها بكيس وبر الماعز الأسود

يقول عمر، وهذا اسمه، انه من حلب، وانه هنا لاجئ. اسأله: هل صحيح ان الاتراك فككوا مصانع بكاملها من حلب ونقلوها الى تركيا؟ فيجيبني وهي يتلفت حوله متصنعا انه ينظف الطاولة «ايه لكن؟ الله يلعنهم شو ولادين حرام».
في قونيا وضواحيها القريبة والبعيدة، أضرحة كثيرة ومقامات للزيارة. الا ان اهمها اطلاقا اثنان: مقام الرومي ومتحفه (وقد اصبح متحفا منذ الغاء نظام الزوايا الصوفية عام 1927 بعد استقلال تركيا ومجيء اتاتورك) ومقام توأم روحه ومعلمه شمس الدين التبريزي، الذي قتل على نحو غامض، ويقال ان ابن مولانا الثاني، علاء الدين، هو من قتله، غيرة على سمعة الوالد الذي كان قبل لقاء شمس عالما مهيباً وخطيباً أطبقت شهرته الآفاق، الا انه تحول بعد لقاء شمس الى الدروشة والتصوف، واخترع معه رقصة الدراويش المولويين. لكنها أقاويل لا ترقى الى مستوى المعلومات او الحقائق التاريخية.
اما الجوامع فكثيرة، ربما يكون أهمها «شرف الدين جامع»، الذي يعد بمثابة «آيا صوفيا» قونيا. خلفه، حمام تركي قديم تديره سيدة من البوسنة وتعاونها سيدتان من رومانيا.
لا مثيل لهذا الاختراع، اقصد الحمام التركي. حالما تدلف الى غرف البخار تلوح في العتمة النسبية المموهة بالبخار الكثيف، اجساد المستحمات هنا. بعضهن جلبن معهن اطفالهن الذكور دون السن فاخذوا يمرحون عراة على البلاطة الساخنة في المنتصف فيما كانت والدتهم، الحامل، تنهرهم لينزلوا عنها.
تسترخي النساء هنا. اجسادهن المنهكة بالعيب والحرام تتمدد على راحتها، فيبدون اطول واجمل. يتعاونّ على فرك اجساد بعضهن بعضاً، ويدخنّ السجائر (الممنوعة في الحمام بقانون) ولكن من سيدخل لينظم محضر مخالفة هنا؟
سرعان ما يتحرشن بالغريبة، ويأخذن بالسؤال ان كانت متزوجة وكم ولدا لديها، وماذا يفعل زوجها؟ الخ. وقمة الود حين تدعوك احداهن ان تفرك لها ظهرها بكيس وبر الماعز الاسود.
في الحمام التركي، هنا في غرفة «الوسطاني»، عليك ان تقص قصة. قد تكون حكايتك ومن اين جئت ولم. وقد تكون مجرد حكاية. اما حين يعطل الجهل باللغة التواصل، فان الايماء في هذا الجو الدافئ العاري من الاقنعة، يفي بالغرض.

(غداً: روايتا المشكك والمريد)