هذه ليست دولة، هذه عصابة. محادثة هاتفية لن أنساها، بين ناشطين اثنين يعيش كل منهما في الغربة بسبب نشاطهما، احدهما في لبنان والآخر أنا في لندن.


أصبحت المحادثة بمثابة اللحظة الفاصلة يوم علمنا نحن الاثنين على الخط أن جنسيتنا أُسقطت بمرسوم ملكي لحاكم البحرين. أصبحنا الآن ننتمي إلى قبيلة البدون في الخليج، المنطقة المسكوت عنها في قضايا كثيرة ومن ضمنها البدون. لجأت في ذلك اليوم إلى جماعتي وهويتي. استرجعت كل تاريخ عائلتي، بحثت عن كل ما يثير فيّ انتمائي إلى تلك الجزيرة الصغيرة. حفرت في ذاكرتي عن طفولتي، تذكرت كل المضحكات والمبكيات فيها. حاولت أن أرسم خرائط قريتي الصغيرة، تفاصيل دواعيسها. ذهبت حتى إلى منزل معلمة «معصومة» التي علمتني القرآن وتوفيت منذ ٢٥ سنة. حاولت أن أتذكر أسماء جاراتي اللواتي كنت ألعب معهن قبل أصدقائي. النهاية كانت في مقبرة «الإمام» المقابلة لمنزلنا التي يرقد فيها والدي، ووالد والدي. حطيت عند قبر أبي لأقول له، ما زلت أذكر كلمتك «الي يتبرأ من أصله ما ليه أصل». أصلي هناك مع المدافن والمرافئ. أصلي محفور على شواهد القبور في جزيرة النبيه صالح، هذا أنا. هل هذا ما تحاول الدولة فينا أن نفعله، أن نغرق في التاريخ بدلاً من الحاضر؟
أن نفكر أكثر في ما كنّا بدلاً من أن نفكر كيف نبني غدنا؟ لماذا تحاول الدولة دوماً أن تجعل ثمنها الذي ستدفعه في أي تسوية مقبلة أكبر من الثمن المستحق عليها أصلاً؟ لماذا تحاول أن تهرب إلى الأمام بقفزات غير مدروسة ومتوازنة وتجعل مشكلتها أكبر مع الزمن؟
كيف تريدني هذه الدولة أن أكون مواطناً صالحاً، وبالتالي أضمن عدم سقوط امتيازات معينة، الابتعاد عن السجن والتعذيب، أو إسقاط الجنسية؟ كل ما تريده هذه الدولة أن أقبل لها أن تكون محل «الله» وأن أكون لها عبداً، أن أنسلخ من جلدي وألبس جلدهم المشوه القبيح، أن أردد المتناقضات مؤمناً بعدم تناقضها. أن أقول إنّ لدينا حرية في الوقت الذي لا أستطيع فيه أن أقول ما أشاء. أن أنفي التعذيب في السجون رغم أني شهدت وجبات التعذيب. أن أنكر عيني وأرى بعيونهم، أن أتحدث بلغتهم وأنسى لغتي، هل بهذا ترضى الدولة عني، وهل بمثل هذه النوعية من المواطنين التي لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم تبنى الأوطان؟ في دوار اللؤلؤة، حلم الجميع أنّ هناك حلاً قد يريح هذا الوطن من غباء النخبة المتنفذة المسيطرة على الحكم، أن يبني وطناً يشمل جميع أبنائه. أن لا أسأل عن لوني ولا عرقي ولا مذهبي عندما أريد شيئاً من الدولة.
أن لا تكون قرابتي القبلية سبباً مباشراً في أماني أو عدم أماني. أن لا يكون أمن النظام مرهوناً بعدم أمني، ورخاؤه مرهوناً بعوزي، وبقاؤه مرهوناً بإلغائي، أن لا يكون هناك نظام كل همه أن يستورد شعباً لا يحتاجه بل فقط حقداً على شعبه الأصلي. إسقاط الجنسية لا يلغي بحرينيتي، لا يلغي هويتي، لن يجعلني أعترف لكم بكل ظلمكم خوفاً على أشياء أخرى.
كان ذلك ما كتبته في يوم معرفتي بخبر إسقاط جنسيتي: «عندما استيقظت في الصباح كنت بحرينياً، وغداً سأكون بحرينياً». هذا أنا، ولكن من أنتم، ما هو أصلكم، أين كنتم قبل ٤٠٠ عام؟ ٥٠٠ عام، أقل من ذلك أو أكثر؟