«لكن بلجريف [مستشار حكومة البحرين] لكي يتم لعبته، بعث إليّ برسالة يقول فيها: إن حاكم البحرين أمر بسحب جنسيتي، فكتبت له رسالة أحتج على سحب جنسيتي، ذاكراً له ومؤكداً أنني سأحتفظ بجنسيتي البحرينية وأنني باقٍ في البحرين» (مذكرات عبد الرحمن الباكر ـــ من البحرين إلى المنفى ـــ سانت هيلانه، ط 1965، ص73)


في الأسبوع الأول من محنة خروجي من البحرين في 11 نيسان (أبريل) 2011، كنت في مقهى «ة مربوطة» في بيروت، أقضي وقتاً ممتعاً في قراءة كتاب «أنبئوني بالرؤيا» للناقد عبد الفتاح كيليطو، المعروف عنه اهتمامه بموضوع متعة الأدب والسرد. استوقفني كثيراً، افتتاحه الكتاب بمقولة للروائي والناقد الألماني بوتو شترواس «هكذا يبدو مظهر شخص يقرأ: مظهر لا أحد». إنها مقولة معنية بالشغف والمتعة، تجعل من الاستغراق في القراءة، حالة هيام وغياب تام. يفقد الآخرون الاتصال بك، لا تعود تسمع نداءهم أو تلتفت إلى إشارتهم. تفقد أحديتك (أنك أحد) هنا، لكنك لا تفقد ذاتك، هي حالة من الوصل الجميل بشيء لذيذ.
صارت العبارة تتداول في الأسرة بيننا في حال استغراق أحد منا في شيء، إلى حد أن لا يرد على النداء. وكان ابني باسل يتفنن في استخدامها ضدي. وبمجرد تناولي لأي كتاب، كان يقول ستبدأ حالة «لا أحد». وصارت تتسع لحالات أخرى، فأماسيل ابنتي تعلن تذمرها من انشغالي في المتابعات عبر الواتساب، بقولها متى ستنتهي حالة «لا أحد». كنا نستغرق في الضحك مع كل استخدام لهذه الجملة المعبرة. لكننا لم نكن نتوقع أنها ستعبّر عن حالة سياسية في 2015. أرسلتُ لباسل: هل تذكر مقولة «لا أحد». قال لي: كنت أحتفظ بها في تلفوني، لكنها ضاعت مني مؤخراً، لا تقلق لن أشعر أبداً أنني ابن لا أحد.

قال لي باسل:
لا تقلق لن أشعر أبداً
أنني ابن لا أحد
إسقاط الجنسية هي المقابل تماماً لجملة «لا أحد». لكنك لن تكون هنا مستغرقاً في حالة وصل لذيذ، ولن تكون فاقداً الاتصال بغيرك لأنك منشغل بحالة متعة تستغرق حواسك، بقدر ما ستكون في حالة: غير معترف به. الانشغال في حالة ثقافية كقراءة كتاب، يعطل مؤقتاً اتصالك، لكنه لا يسلبك الاعتراف، بل إنه يمنحك اعترافاً مضاعفاً بما يفيضه عليك من معرفة جديدة، تجعل منك كائناً أكثر وعياً وأكثر تمكناً. في البحرين، أن تكون معارضاً للدكتاتورية، يعني أنك مشروع «لا أحد» عند العائلة/ السلطة، لا صوت لك ولا تمثيل، وإن لم تخرس تماماً، فلا جنسية لك أو لا حياة، بمعنى أنه محكوم عليك بالموت معنوياً أو حقيقة. في البحرين، إذا كنت مثقفاً، فالجنسية تتحدد بالإذعان للعائلة/ السلطة والولاء لعرشها. تريدك أن تكون أحد أعيانها، لتعترف بك أحداً. كنت أجد صعوبة في الرد على السؤال المكرر التالي: أنت دكتور، لماذا لست أستاذاً في الجامعة في البحرين؟ لأني لا أحد في وجهة نظر السلطة/ العائلة. الآن أصبح الجواب سهلاً. قبل هذا الإسقاط لجنسيتي، كنت أجد صعوبة في شرح معنى «أني لا أحد»، وأني في نظر السلطة لست جديراً بأن تعترف بي مؤسساتها القانونية والتربوية والثقافية والإدارية. فهذه المؤسسات مصنوعة على مقاسها، وهي لا تتسع لتكون إطاراً لدولة تحترم المواطنة القائمة على التعدد والاختلاف والمعارضة والمراقبة. هناك فرق بين حالة اللاأحد الثقافية ومحنة اللاأحد السياسية. الأولى حالة جمالية ومعرفية، والثانية حالة نبذ وطرد وعدم اعتراف. غير أن الثانية لا يمكنها أن تحقق قبحها فيك إذا كان حضورك يسبق حضورها، أي إذا كنت أنت مرآة الأرض ومن عليها، وهذا ما عاينته في مرآة الأصدقاء والصديقات.
الحفل الذي شارك فيه الأصدقاء لتدشين كتاب «جدتي سلامة سلوم» في بيتي «صالون هيبا» في البحرين في 9 شباط (فبراير) 2015، وبعد أيام من صدور المرسوم الملكي بإسقاط جنسيتي، كان جواباً بليغاً على أني أحد. إني أحدٌ من أصل هذه الأرض، أحدٌ ممن لا يُقلع ولا يستبدل، وكانت تعليقاتهم على جدران بيتي التي أوصلوها لي «كان حضورك طاغياً هنا»، لحظة مليئة بالمعنى ومليئة بالشعور. أحد الأصدقاء قال لي: لقد قارنت بين حضوري في بيتك في 2010 حين كنا نحتفل بفعالية يوم الفلسفة العالمي وبين حضوري اليوم ونحن نحتفل بحضورك فينا في لحظتنا التاريخية الشديدة المعنى. أجد أننا كنا في 2010 نتحدث، واليوم نحن نفعل شيئاً. نحن اليوم نعاين حالة ملموسة. حالة مواطنة من لحم ودم وروح وعائلة وتاريخ وبيت. كنا نتحدث عن هيبا واليوم في 2015 نحتفي بمسار هيبا الحاضر بيننا. كنا نبحث في 2010 عن أصدقاء يتحدثون عن نظريات ويستمعون إلى تنظيرات بعيدة، اليوم نحن بين ناس يصنعون موقفاً إنسانياً وسياسياً وطنياً، هم يقرون مواطنة هيبا الذي أسقطت مواطنته السلطة. سأحتفظ بجنسيتي البحرينية، كما ظل عبد الرحمن الباكر المناضل السني محتفظاً بجنسيته البحرينية رغم كل شيء.