في استعادته لمنجز أنسي الحاج الشعري، لا يبتغي الشاعر العراقي ـ الفرنسي عبد القادر الجنابي في كتابه «أنسي الحاج من قصيدة النثر إلى شقائق النثر» (دار جداول ـ 2015) تقديم دراسة نقدية أكاديمية حول شعر أنسي الحاج، بمقدار ما ينحو إلى قراءة واسعة، شاملة، ومختلفة لتجربة شاعر كان له الأثر الكبير في تطوير النص الشعري العربي، والانتقال به إلى فضاء جديد عبر «خضّة تمرّد صحيّة» تميّزت بها تجربة الحاج الشابة، المختلفة عن تجارب أبناء جيله من الشعراء العرب.


يختار الجنابي أن يبدأ كتابه بمراجعتين. الأولى تحت عنوان «عندما قال الشعر للجميع: لن» (سبق أن نشرت في مجلة «نقد» 2008) يستعيد من خلالها «البيان الشعري» الأوّل لأنسي الحاج، الذي جاء كمقدّمة لمجموعته الأولى «لن»، شارحاً كيف قام شعر أنسي «على كسر البنية الكلاسيكية لمسار الجملة العربية وتركيبتها البلاغية» بما يجعل من قصائد المجموعة جزءاً من مقدّمتها، لتكون برمّتها بمثابة البيان. فالقصيدة عند أنسي خالية من أي تلميح إيديولوجي، تنشغل بتدوين حركة الفكر الحقيقية بعيداً من الشعارات والرموز. بما يمهّد لما سيأتي به الحاج لاحقاً في نثره الصحافي الأسبوعي من خلال ملحق «النهار» بدايةً تحت عنوان «كلمات كلمات كلمات» الذي كان من خلاله يقول كلمته بوضوح، وفي الوقت المطلوب، مجترحاً أسلوباً جديداً في الكتابة الصحافيّة تميّز بالنبرة الحارّة والهائجة والمليئة بالشعر «وبصياغات متداورة تتلخص فيها أفكار كبرى». أمّا المراجعة التالية، التي يضمنها الجنابي كتابه، فجاءت تحت عنوان «خواتم: الشوط الثاني من التجربة» (نشرت في جريدة «الحياة» - 6 شباط/فبراير 2014). هنا يقارب الجنابي المرحلة الثانية من كتابة الحاج التي حملت عنوان «خواتم»، واستمرّ الحاج مرتاحاً إليها في جريدة «الأخبار» حتى وفاته. ابتعد فيها عن الصيغة الشعرية المعروفة لمصلحة الجملة القصيرة، المكثّفة، الموجزة التي يسميّها البعض «قطعة» أو «شظيّة» في ترجمة عن مفردة Fragment. يجد الجنابي أنّ الترجمة الأقرب إلى حقيقة هذا الجنس من الكتابة عند أنسي هي «الشقيقة» التي هي واحدة الشقائق، التي تحيلنا إلى «شقائق النعمان»، حيث ذاك «النبات الأحمر المنير، الذي هو توهج الفكر عينه». ويرجع الجنابي اختياره هذا لكون جملة الحاج غدت وجيزة أكثر من كونها موجزة، ومقتضبةً لا قصيرة، «هنا لا إغراق في القول ولا التواءات في الطرح. إنها صلب الشعر الذي هو ليس مهنة، وإنما حارس اللغة ونبيّها».
في الكتاب الذي جمع فيه الجنابي مجموعة كبيرة مختارة من شعر الحاج وخواتمه، تخلّى عن الترتيب الزمني الذي كتبت فيه تلك النصوص، رغبة منه بترتيب جديد «يعطيها بعداً حيوياً يجعلها كأنها كتبت اليوم. بقدر ما كانت مستقبل حاضرها آنذاك، فهي لا تزال في الخطّ الطولي من مستقبل القصيدة العربية الحديثة». وبذلك يكون الجنابي بإصداره هذا كمن يعيد إصدار مجموعة جديدة لأنسي الحاج الذي لم يستسغ يوماً تسمية «ديوان» للكتاب الشعري، وكان يفضّل تسمية كتابه «مجموعة شعرية». ولئن كانت مجموعات الحاج تتمتّع كلّ منها بوحدة عضوية، فإن الجنابي يؤكّد في اختياراته أنّ ثمّة وحدة عضوية في كلّ ما كتبه أنسي، رغم أنّ الجنابي في تقديمه للجزء الأخير من الكتاب «كل بداية جوهر: الشقائق المئة والخمسون» يشرح كيف اتبع أنسي الحاج، في الجزء الأول، أسلوب التدوين بحريّة فردانية، ليأتي الجزء الثاني مكمّلاً للأوّل، فيما توغّل العامل الخارجي إلى الجزء الثالث. ومع ذلك، فإنّ «أسلوب الأجزاء الثلاثة ظلّ يرفض الاسترسال مفضلاً الكتابة المتشظية المتراوحة بين جمل قصيرة، ومقاطع طويلة بعض الشيء، إلا أن هناك ما أسميه شقائق نثرية، لا علاقة لها بما يسبقها وما يليها». ويعزي الجنابي إلى ذلك حصر أنسي الحاج تلك «الشقائق» في باب أطلق عليه «عابرات». «وهي بالفعل عابرات أشبه بشهب تعبر فجأة فضاء النص الذي تدور فيه فكرة المؤلف الرئيسية». يختار عبد القادر الجنابي منها 150 «شقيقة» يضمّنها مختاراته، قبل أن يختم كتابه بنصّ يشرح فيه علاقة انسي بالليل (ملحق: كتابة الليل) سارداً كيف عرف أن ينام في النهار ويعيش في الليل. «ولمَ لا؟ (أليس النهار أيضاً ليلاً مصبوغاً بدهان الشّمس) ففي مرآة الليل يتأمّل العدم صورته، لونه، بينما الشاعر يستنطق فيه نهاراً غائباً» ليخلص بذلك إلى أنّ «فعل التدوين عند أنسي الحاج، ليس عن الحلم وإنّما عن التشاكل بين الكتابة والحلم. إنها كتابة الليل علّ النقطة التي ينضم فيها الحلم بعالم اللاوعي الواسع، نقطة التدامج بين الليل والنهار، تنبجس من الرأس، ويغفو العالم في سريره الورقي». (أنسي الحاج: من قصيدة النثر إلى شقائق النثر) تأتي بمثابة كتابة جديدة لأنسي الحاج، مؤكّدة أنّه ترك لنا إرثاً من الكتابة يمتلك في جنباته سرّ الولادة الجديدة، والانبعاث المتوهج من قلب عتمة الزمن مهما بلغت حلكتها.