برّي وعون يثبّتان نقاطاً للتفاهم وفرنسا تنتظر ردّاً سعوديّاً على تنازل الحريري عن رئاسة الحكومة


في جريمة تتّسم بأبعاد سياسية وأمنية مزدوجة، وفي توقيت داخلي وخارجي حرج ـــــ كما جرت العادة ـــــ ضرب الإرهابيون أمس في قلب المؤسّسة العسكرية، واغتالوا العميد فرنسوا الحاج، أبرز القادة العسكريين في الجيش اللبناني، وأكثرهم حظاً لتولي منصب قائد الجيش المقبل، في عملية تفجيرية تشبه بعض العمليات التي جرت سابقاً، وسط انطباع بأن من قرر ونفذ إنما يهدف إلى توسيع رقعة التوتر في البلاد، ولا سيما أن التيار الوطني الحر وقوى في المعارضة بدت مصابة بهذه الجريمة. وقال مرجع قيادي لـ«الأخبار» إن في الجريمة رسالة واضحة إلى العماد ميشال عون، كما إلى العماد ميشال سليمان.
وفيما بوشرت التحقيقات مع بروز احتمال لتورّط مجموعات فارّة من تنظيم «فتح الإسلام» بسبب تهديدات سابقة أطلقتها وأقرّ بها موقوفون من التنظيم، فإنه لا أحد أقفل باب الاحتمالات الأخرى، مع ملاحظة أن قيادات فريق 14 آذار، باستثناء الوزير مروان حمادة، تجنّبوا اتهام سوريا هذه المرة، وركزت المواقف والاتصالات على سبل العمل على تجاوز الخلافات القائمة التي تحول دون إنجاز الانتخاب الرئاسي الاثنين المقبل.
وأحدثت الجريمة صدمة في صفوف الموالاة والمعارضة، وصدرت مواقف تدعو إلى تسوية سريعة أبرزها قول النائب وليد جنبلاط إن «من مصلحة المعارضة ومصلحتنا أن ننقذ الاستحقاق الرئاسي بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية». وأشاد الرئيس نبيه بري بموقف جنبلاط، وقال: «كفى التسلل والتهرب بعضنا من بعض. وإنني باسم المعارضة أقول إنها على أتم الاستعداد لتلقف أصوات عالية المسؤولية كصوت الأستاذ وليد جنبلاط ومحاورين جدد أيضاً».
ولاحقاً تلقى بري اتصالاً من جنبلاط جرى خلاله تبادل الآراء في آفاق المرحلة الراهنة ووسائل الخروج من المأزق الرئاسي. ولفت بري جنبلاط إلى لجنة المتابعة التي ألفها مسيحيو 14 آذار للتجوال على القيادات والفعاليات، وقال: «إن هذه اللجنة تريد أن تزورني، لكني أنصحهم بأن يبدأوا جولتهم بزيارة العماد عون ويفتحوا حواراً معه ويناقشوا مطالبه، فهذه المطالب بعضها ينفّذ، وبعضها قد لا ينفّذ، وثالث يمكن الأخذ والرد في شأنه».
ولم تستبعد المصادر انعقاد لقاء قريب بين بري وجنبلاط، وأشارت إلى أن رئيس المجلس يفضّل أن يحصل حوار بين قوى 14 آذار والعماد عون، ولفتت إلى أن بري لم يعد مقتنعاً بجدوى الحوار بينه وبين الحريري، آخذاً على الأخير التبدّل السريع في مواقفه وتراجعه عمّا يتفق عليه.
وأشارت المصادر إلى أن حديث بري عن «محاورين جدد» في رده على مواقف جنبلاط، إنما قصد به الرغبة في التحاور مع مجموعة قيادات من 14 آذار، لا مع الحريري فقط.

برّي وعون والمسعى الفرنسي

وكان بري قد التقى أول من أمس العماد عون في اجتماع هو الثاني بينهما، جرى بحضور قيادات عدة، وتطرق فيه البحث إلى عناوين التسوية المفترضة مع فريق 14 آذار. وأبدى بري تفهمه لموقف عون من مسائل كثيرة، ولا سيما أهمية الحصول على ورقة تفاهمات كاملة تكون مرفقة بورقة ضمانات من دولة كبرى، واتفق في هذا المجال على تنشيط الاتصالات مع فرنسا. كما أجرى بري اتصالات بالجانب الفرنسي، واتفق على دعوة المسؤولين هناك إلى العودة سريعاً إلى بيروت وقيادة مفاوضات تختتم بإعداد ورقة تفاهمات مع ضمانات، ما يسرّع إطلاق عجلة التعديل الدستوري وانتخاب العماد سليمان قبل نهاية هذه السنة.
وتوقف عون وبري عند المناخ التصعيدي الذي عاد به النائب الحريري من السعودية، وسألا عما إذا كان الأمر مرتبطاً بتغيّر في المواقف العربية، أم أنه يتصل بنقاش سلبي جرى مع الحريري بشأن منصب رئيس الحكومة المقبل، وخصوصاً أن ثمة معطيات منسوبة إلى مسؤولين سعوديين ومصريين تدعو الحريري إلى عدم تولي هذه المهمة، وذلك بخلاف رغبته ورغبة آخرين من أقطاب تيار «المستقبل».
وبحسب المصادر، فإنّ اتصالات فرنسية ـــــ سعودية جارية الآن بصدد الحصول على موقف نهائي من مسألة تولّي الحريري رئاسة الحكومة المقبلة. وفي حال تلقي باريس جواباً يقول بأن رئاسة الحكومة ستترك لشخص آخر، فإن المسعى الفرنسي سيتفاعل في وقت قصير، وسوف يكون هناك رئيس للبنان قبل بدء عطلة الأعياد.

الجريمة وردود الفعل

وبالعودة إلى جريمة اغتيال العميد الحاج، فقد هز انفجار منطقة بعبدا قرابة السابعة صباحاً، وتبين أنه بينما كان الشهيد الحاج متوجهاً بسيارته من منزله في بعبدا ـــــ مفرق بطشاي إلى وزارة الدفاع في اليرزة، انفجرت سيارة مفخخة من نوع «بي.إم.دبليو» موديل 1978 زيتية اللون كانت متوقفة إلى جانب الطريق عند مفرق اليرزة تحمل عبوة تزن نحو 35 كلغ من الـ«تي. ان. تي». وأدى الانفجار إلى تطاير سيارة الحاج، ووجدت جثته بعد قرابة عشرين دقيقة من التفجير في حفرة خلّفها القصف الإسرائيلي في حرب تموز 2006 مقابل بلدية بعبدا. كما استشهد مرافقه الرقيب خير الله هدوان.
وقالت مصادر واسعة الاطلاع إن الأنظار اتجهت صوب جهات عدة، في مقدمها مجموعات تابعة لحركة فتح ـــــ الإسلام التي اعترف موقوفون منها بأن لائحة الضباط الذين كانوا ينوون اغتيالهم رداً على أحداث نهر البارد تتضمن أسماءً عدة، أبرزها قائد الجيش، ومدير المخابرات العميد جورج خوري، إضافة إلى العميد الشهيد.
ولفتت المصادر إلى أن طريقة تنفيذ الجريمة تشبه تماماً عملية اغتيال النائب جبران تويني وعملية تفجير الوحدة الإسبانية في القوات الدولية في الجنوب. وقالت المصادر إنه جُمع الكثير من المعلومات من مسرح الجريمة ومن صور لكاميرات مثبتة في المكان، وتردد أنه جرى توقيف شابين على ذمة التحقيق.
وأفرزت الجريمة مجموعة من ردود الفعل المحلية والخارجية الغاضبة، وكان البارز محلياً إعلان العماد عون أنّ الاغتيالات هي «نوع من ضريبة الدم التي تُدفع للوصول إلى قرارات دولية غير مناسبة»، وتحدث عن «اغتيال سياسي للوطن قد يعقب الاغتيال الجسدي»، متسائلاً عن سبب «العجز عن اكتشاف أي خيط في كل الجرائم، فهل هذه الجرائم كاملة حتى لا يستطيع أحد أن يكتشف نقطة ضعف فيها».
وفيما كان واضحاً تلقي عون النبأ بفجيعة، وهو نعى الشهيد الحاج كواحد من أبنائه، فقد سارع إلى تحميل الحكومة ومناخات دولية مسؤولية الجريمة، داعياً إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة الموقف، ومطالباً باستقالة الحكومة ووزير الداخلية بعدما عجزا عن منع هذه الجرائم.
وأبدى عون استغرابه لـ«الخطاب العالي النبرة بعد عودة الحريري من السعودية وكأنّ هناك شيئاً قد انقطع»، وقال: «لا أستغرب الخبر الذي ورد في بعض المواقع الإلكترونية عن محاولة اغتيالي في باريس، وليس لديّ معطيات عنه». وأضاف: «كل جريمة ترتكب على أرضنا تستهدفني لأنها تضرب الاستقرار في الوطن، وهو الذي نسعى إليه».
كذلك صدرت مجموعة من المواقف الشاجبة من لبنان والخارج. ويجري التحضير لتشييع كبير للعميد الحاج يوم الجمعة في مسقط رأسه في رميش الحدودية، حيث يفترض أن يكون التشييع بمشاركة شعبية كبيرة جداً من قوى المعارضة وأهالي المنطقة وأصدقاء الشهيد ورفاقه في المؤسسة العسكرية.

زاد: تلازم بين وضع لبنان والمنطقة

ومن نيويورك، أفاد مراسل «الأخبار» نزار عبود بأنّ المندوب الأميركي في الأمم المتحدة زلماي خليل زاد نفى أن يكون اهتمامه بالشأن اللبناني قد تراجع. وقال في نيويورك أمس إن لبنان دولة مهمة للغاية في المنطقة، وسلامها من سلام المنطقة، و«نحن نعمل مع الأصدقاء هنا في مجلس الأمن وخارجه. الإرهابيون يعرضون حياة القادة في لبنان للخطر. هناك قادة محتجزون في فنادق أو في مكاتبهم، ليس فقط خشية الاغتيال، بل أيضاً لأن الديموقراطية في خطر. لا أقبل بأن نتهم بأننا مقصرون في التركيز على الشأن اللبناني». لكنّه استطرد: «هناك علاقة تلازم بين وضع لبنان والوضع في المنطقة. مستقبل لبنان يؤثر على مستقبل الشرق الأوسط والأمن الإسرائيلي، وكلاهما مهم لنا. سوريا موضوع مهم، وكذلك إيران».
من جهته، أعرب وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره العراقي هوشيار زيباري في دمشق، عن أمله أن يتوصل اللبنانيون إلى ملء الفراغ في سدة الرئاسة. وكشف عن أن «الاتصالات مع فرنسا بصدد لبنان مستمرة وشبه يومية»، وقال إن «البلدين حريصان على رؤية لبنان مستقراً»، وإن «هذه الجهود والاتصالات ستستمر لتشجيع الأطراف اللبنانية على الحوار في ما بينهم والتوافق على انتخاب رئيس في أقرب وقت».
وكرر ما أكده نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الثلاثاء من أن «سوريا حريصة على لبننة لبنان عبر إبعاد أي تدخل خارجي فيه، وهو ما اتُّفق عليه مع الفرنسيين، إضافة إلى تشجيع السعوديين للبنان على ملء الفراغ الدستوري».