قبل عامين فقط كان يكفي أن يُحتجز أحد الناشطين المعارضين السوريين ليطالب مسؤولو الإدارة الأميركية بـ«إسقاط النظام الديكتاتوري في سوريا». رحيل الرئيس بشار الأسد وتغيير نظامه الحاكم أُعلنا أولوية في استراتيجية البيت الأبيض منذ آب ٢٠١١. تارة، في منتصف عام ٢٠١٢، اقترح دعاة «الرحيل» (في الخارجية والبيت الأبيض والكونغرس) صيغة تشبه «نموذج اليمن» لانتقال الحكم في سوريا، ومرّة هدّد باراك أوباما بضربة عسكرية (٢٠١٣)، أما وزير الخارجية جون كيري فكان يرغب في أن يرعى الروس هذا «الرحيل»... الى أن جاءت ٢٠١٥.
قبل الاتفاق النووي مع طهران وقبل التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا وقبل الهجمات الإرهابية في فرنسا والولايات المتحدة، كانت اللهجة الأميركية قد تغيّرت وتبدّلت المطالب المعلنة. الدبلوماسية الروسية «الحديدية» بقيادة سيرغي لافروف وتطورات الميدان وحسابات سياسية أدّت الى شطب «رحيل الأسد» من الأجندة الآنية للخارجية الأميركية منذ بداية العام الحالي. وفي نهاية عام ٢٠١٥ بات إسقاط النظام السوري غير مطلوب، وتحوّل «الرحيل» من شرط أميركي أساسي الى خيار «للمستقبل البعيد». هكذا عمل الأميركيون طوال العام على إيجاد الصيغة اللغوية المناسبة التي تقول «إننا بدّلنا الأولويات وغيّرنا أهدافنا القريبة».

كل محطة بارزة كانت تسبقها مشاورات مكثفة بين كيري ولافروف

لوحظ تغيّر اللهجة الأميركية منذ الأشهر الاولى، فخاطب كيري الأسد مراراً بصفته الشرعية كرئيس للبلاد يتمتع بكافة صلاحياته، كأن طالبه مباشرة بإطلاق سراح الناشطين المعارضين المعتقلين، ثم دعاه الى «التفكير بنتائج أفعاله التي تجذب الإرهابيين الى سوريا بهدف إسقاطه». وخلال شهادته أمام الكونغرس في شباط، لم يذكر كيري مسألة رحيل الأسد ولم يذكّر، كالعادة، بالجهود المبذولة والقرارات المطلوبة من أجل تحقيق ذلك، بل أشار الى الانجاز الأبرز، وهو إخراج الأسلحة الكيميائية من سوريا، وقال «تعلمون جيداً أنه لو لم نفعل ذلك لكانت تلك الأسلحة الآن بيد تنظيم الدولة الاسلامية». «داعش» لا الأسد إذاً كان الخطر المحدق كيميائياً، بنظر الخارجية الأميركية.
«خلال السنة والنصف سنة الماضية قلنا إن على الأسد أن يرحل... لكن متى؟ وبأي طريقة؟ فهذا يحدَّد وفق اتفاقية جنيف والمشاورات»، صرّح كيري في أيلول الماضي. المشاورات بشأن سوريا، هذا ما قام به كيري على مدار السنة، خصوصاً مع نظيره لافروف، إذ لا يكاد يخلو شهر في عام ٢٠١٥ من لقاء ثنائي بين الوزيرين ومؤتمر صحافي مشترك أو اتصال هاتفي أو اجتماع على هامش قمة. جنيف، سوتشي، فيينا، نيويورك... كل محطة بارزة في مسار التسوية الدولية كانت تسبقها وتتبعها مشاورات مكثفة بين كيري ولافروف، حتى وُصف الوزيران بـ«الثنائي العجيب».
ومع نهاية العام بدأت تتسارع وتيرة الأحداث الميدانية على الأراضي السورية والتصريحات المرافقة لها؛ سقف مطالب الخارجية الأميركية بات «أن يقبل الأسد بالجلوس الى طاولة المفاوضات حول المرحلة الانتقالية»، وجلّ ما استطاع كيري أن يزفّه إلى العالم، بعد اجتماع باريس في تشرين الثاني الماضي، هو «أن إنجاز التوصل الى وقف لإطلاق النار وبدء الحوار بين المعارضين والأسد سيعدّان خطوة مهولة إن حصلا».
هذا بالضبط ما كرره الوزير الأميركي في نيويورك بعد شهر، في منتصف كانون الأول الحالي، بعد تبنّي مجلس الأمن بالإجماع قراراً سُمّي «خارطة الطريق لإنهاء الأزمة السورية»، وينص على وقف لإطلاق النار وحوار ثم انتخابات. يذكر أنه قبل ثلاثة أيام من اجتماع نيويورك والقرار الأممي، التقى كيري الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأعلن من موسكو أن «الولايات المتحدة وشركاءنا لا يسعون الى تغيير النظام في سوريا». قالها أخيراً كيري، بوضوح.