أكثر من رباعي حركي لندّابة وراقص وموسيقيّيْن، يبدو عمل علي شحرور الجديد (حتى الأحد في «مسرح المدينة»)، احتفالاً مأسويّاً بامتياز، وطقساً يجمع بين الثقافة الشعبيّة والتجريب. العمل الذي يدفع الرقص إلى حدوده القصوى، يسائل الجسد الاجتماعي والثقافي والسياسي. يغرف من التراث الديني والذاكرة الجماعيّة، ويختبر حدود الثقافة الشعبية، ويطرح سؤالاً أساسيّاً له علاقة بجوهر الفنّ. «موت ليلى» فسحة تأمّلية، من دون خطاب مباشر أو حدث مركزي.


مجلس عزاء بوست مودرن (ما بعد حداثي)، في جمعه بين المرجع التقليدي، وقاموس معاصر يتجاوز القوالب. تجربة مينيمالية تضع المشاهد في مواجهة مع نفسه. تطرح ثنائيّة السمائي والأرضي، المقدّس والمدنّس (لعلي شحرور عرض لافت، بعنوان «دنس، موت صغير» - ٢٠١٣). أتى علي بشخصيّة شعبيّة، ووضعها على المسرح بعد أشهر من التمارين. إنّها ليلى الندّابة التي تحمل بجسدها وحركاتها ولباسها وصوتها ولهجتها، بصمات بيئة محددة (هناك قرابة بعيدة مع تنظيرات «مسرح الحكواتي»). لكن الإحالة إلى خصوصيّة ثقافيّة، مفتوحة هنا على شموليّة إنسانيّة، بعيداً من الفولكلور أو الانتروبولوجيا. «ليلى» كاهنة الاحتفال، تكاد تسرقه، تروي لنا بضمير المتكلّم، حكايات الفقد المتعاقبة، فتتركنا متأرجحين بين التسجيلي والروائي. ثم «تعتّب» على الراحلين (من عتابا)، وتنشد المراثي، وتطلق زغاريد اللوعة، وتؤدي رقصاتها الجنائزيّة المشفّرة بعناية. الحداد طقساً كوريغرافياً. مراسم العزاء بصفتها تعبيراً اجتماعيّاً.
ليست المقاربة بعيدة عن الكورس الاغريقي. وفي الوقت نفسه تبدو من صلب تقاليد فنّ الحكواتي، حيث تختلط هويّة المؤدي بالشخصيات التي يؤديها… تطواف ليلى بين حكاياتها ومنادبها الدائريّة، يحيل إلى دوّامة العنف والصراعات والحروب التي تلفّ منطقتنا وزمننا. كل عناصر العرض تتضافر، ضمن بنية دراميّة، تصاعديّة (دراماتورجيا جنيد سري الدين). بين فضـاء الراوية، والسجادة الحمراء في خلفيّة الاحتفال، تجلس الفرقة الموسيقية، وينثر الورد حول جثّة «البطل». وفي الخلفية تلك الصخرة المعشوشبة، المعلّقة في النسيان بين ضوء وظلمة، بين أرض وسماء (سينوغرافيا نتالي حرب). الموسيقيّان (عبد قبيسي وعلي حوت، تأليفاً وأداءً حيّاً) جزء من الرؤية الكوريغرافيّة، يدبكان مع الميت، ويشهر كل آلته، فيما يشهر الراقص «الشهيد» يمينه. علي، متقشف، مقتصد… فإذا أفلت من عقاله يدفع الحركات الطقوسيّة إلى الأسلبة، يعزلها، يفككها (اللطم، الضرب على الفخذ أو الرأس، وَلْوَلات اليدين في الفراغ، الدبكة الذكوريّة…). هكذا تأتي الإضافات «الفنيّة» لتعكّر صفاء الثقافة الشعبية، وتخلخل توازنها، فتكتب فوقها خطاباً معاصراً، متصالحاً مع جذوره، كفعل سياسي وفلسفي وجمالي.