هي «القنبلة الموقوتة المتروكة منذ فترة طويلة التي انفجرت فجأة في حرب إقليمية واسعة ستكون لها تداعيات دولية لا يمكن التنبّؤ بها»، وهي «الحرب بالوكالة التي باتت مواجهة مفتوحة بين السعودية وإيران»، وهي «القطار المحطّم الذي كان الجميع يعرف ما الذي سيحصل به، لكننا دفنّا رؤوسنا في التراب لنسأل أنفسنا اليوم: كيف حصل ذلك؟».... برغم الأجواء المحمومة السائدة وشنّ دولة ذات ترسانة عسكرية ضخمة حرباً على إحدى أفقر دول المنطقة، لم تستعر المقالات والعناوين ضد المعتدي هذه المرّة، بل تفنن الكثيرون بإيجاد التبرير المناسب للسعودية الحليفة أي المعتدية والتخفيف من حدّة فعلتها.


هذه المرّة لم نسمع عن «خرق (السعودية) للقوانين الدولية» في العناوين الأميركية والفرنسية والبريطانية، وكثيرون لم يسمّوا الهجوم السعودي ـ الأميركي على اليمن «اعتداءً»، بل كادت المقالات تحتوي على مضمون موحّد يسوّق لفكرة أن السعودية «مذعورة» من إيران، وأن هجومها على اليمن بمثابة دفاع عن النفس.
«إن أفضل صورة يمكن أن تعبّر عن الموقف الافتراضي السعودي تجاه اليمن هو الشعور بالذعر» قال الصحافي سايمن هندرسون في مقاله في «ذي وول ستريت جورنال» قبل بدء الهجوم السعودي بأيام، وذكّر بما قاله مؤسس المملكة السعودية عبد العزيز ابن سعود، «وهو على فراش الموت عام 1953 بأنه لا ينبغي أبداً أن يُسمح لليمن بأن تتوحد». هندرسون برر للسعودية أي عمل قد تقوم به في اليمن بالقول «لا عجب، أن يُقال بأن المخاوف السعودية المتعلقة بالحوثيين تمتد إلى بواعث الخوف من توجيه ترسانة اليمن من صواريخ سكود نحو المدن السعودية أيضاً، بما فيها مكة المكرمة». هندرسون، ألقى اللوم على إيران في هذه المعادلة قائلاً إنه «طالما تكثف إيران من انخراطها في اليمن، ستزداد الأمور سوءاً في هذا الميدان الأخير من الصراع السني - الشيعي الذي نشر الفوضى في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط».
حوالي 1600 كلم من الحدود السعودية المشتركة مع اليمن إضافة الى تقدّم الحوثيين السريع واستيلائهم على العاصمة ووصولهم الى عدن، نفوذ إيران الممتد من العراق الى سوريا الى لبنان... استعرض الإعلام الغربي معظم «الظروف» التي تشرح «مخاوف» المملكة فبدت الحرب كأنها مجرّد «ردّ فعل» مفهوم. لذا، فقد جاءت معظم عناوين الأمس متسامحة مع الهجوم السعودي ــ سمّي إعلامياً «ضربات جوية» ــ الذي جاء «تلبية لطلب الرئيس عبد ربّه هادي» و«لوقف تقدّم ميسلشيا الحوثيين»، و لـ «الحدّ من الهيمنة الإيرانية» و «للدفاع عن الرئيس هادي وحكومته المنتخبة والشرعية».


«الرابح الوحيد»
من حرب اليمن سيكون «القاعدة»

«ما لا يريده السعوديون هو دولة تديرها إيران على طول حدودها الجنوبية (…) فهم لا يرون في الحوثيين سوى وكلاء لإيران كما نرى حزب الله في جنوب لبنان»، نقلت شبكة «سي إن إن» عن أحد الضبّاط السابقين في استخبارات الجوّ الأميركية. «هدف السعودية الأول هو تهدئة اليمن لكن هدفها الأوسع هو إرسال رسالة قوية الى إيران تقول فيها: كفّوا عن التدخل في الشؤون العربية»، أشار سايمن تيسدال في «ذي غارديان» البريطانية.
مجلة «فورين بوليسي» الأميركية قدّمت كلّ التبريرات السابقة، لكنها أشارت الى أنه على السعودية أن تجيب في الأيام المقبلة عن سؤال «الى أي مدى ستمضي في حربها وما حجم المخاطرة التي ستقبلها في مواجهة عدو مسلّح على نحو كبير ومدرّب على نحو جيد». المجلة نقلت عن أحد موظفي «سي آي إي» السابقين أن «أي عمليات عسكرية بريّة ستكون عالية الخطورة بالنسبة إلى القوات السعودية، وستلحق أضراراً جسيمة في صفوفهم».

الدور الأميركي و«القاعدة»

«واشنطن قررت دعم السعودية لوجستياً واستخبارياً فقط من دون تدخل مباشر في الحملة العسكرية» هكذا أرادت الولايات المتحدة الأميركية تصوير دورها في الهجوم على اليمن، مضيفة هدفاً ديموقراطياً «نظيفاً» لتدخّلها وهو «الدفاع عن الحكومة اليمنية المنتخبة». ولم يكن من الإعلام الغربي سوى أن تبنّى بمعظمه بيان مجلس الأمن القومي الأميركي، ولم يعلُ صوت الإعلام الأميركي ضد دعم واشنطن لحرب جديدة في المنطقة. «ذي نيويورك تايمز» أشارت فقط الى أن «سقوط اليمن سيمثّل تحدّياً جديداً للرئيس باراك أوباما في المنطقة المضطربة». «السعوديون لا يملكون القدرات الاستخبارية واللوجستية لتحديد أهدافهم، لذا كان لا بدّ أن يحصلوا على مساعدة، وقد قدّمنا إليهم ذلك»، شرح المحلل العسكري في «سي إن إن». يبقى المقال الأهمّ في هذا الشقّ، ما نشرته «ذي واشنطن بوست» بعنوان «كيف ستؤدي الأسلحة الأميركية دوراً ضخماً بحرب السعودية في اليمن»، مذكّرة بأكبر صفقات السلاح التي أبرمت أخيراً بين واشنطن والرياض.
من جهة اخرى أجمعت التقارير على أن «الرابح الوحيد» من حرب اليمن سيكون «القاعدة»، التي «ستستفيد من انشغال الحوثيين بمواجهة السعودية، ومغادرة الرئيس هادي، الذي كان في تنسيق دائم مع الأميركيين لمحاربة المجموعات الارهابية».