انتهت اللعبة الداخلية في اليمن، «أنصار الله» حسموا المعركة مع الرئيس العائد عن استقالته عبد ربه منصور هادي. كش ملك فعلتها مرة ثانية «أنصار الله»، ضربة قوية يتلقاه المحور السعودي القطري.

لم يعد للرياض والدوحة أي حليف في اليمن يعوَّل عليه، سقطت جميع أوراقهم السياسية، «أنصار الله» انتصروا سياسياً وعسكرياً. اليمن تغير وجهه، خرج فعلياً من السيطرة السعودية القطرية بعد عقود من وضعه تحت مظلتها.

انتهى الوكلاء السعوديون جميعاً في اليمن، حان الوقت للانتقال إلى الخطة البديلة، الأصيل ـ السعودية ـ يتخذ القرار بالدخول في الحرب على اليمن، تجتمع دول مجلس التعاون ـ باستثناء سلطنة عمان ـ تضعهم في صورة المعركة المقبلة، توزع الأدوار عليهم، تنسق معهم في كيفية الغارات. تجري اتصالات مع القاهرة وتدعوها إلى الاستعداد للمعركة، مصر تبدي الاستعداد للمشاركة، لكنها تبدو غير مقتنعة بدخول هذه الحرب، ويظهر ذلك واضحاً من خلال بياناتها الرسمية المتناقضة. الأمير القطري كان في باكستان أمس، وقبله قيادات سعودية في إسلام آباد للحديث عن تعاون عسكري. السودان يقبل بما تريده الحليفة قطر.
10 دول هو التحالف ضد اليمن، نصف العرب يجتمعون على محاربة اليمن، أمر يدعو إلى الدهشة فعلاً، وما يزيد الغرابة أنهم يجتمعون على مقاتلة فريق في هذه الدولة العربية. ذنبه أنه ليس في طاعة السعودية، هذا الفريق قرر أن يقاتل «القاعدة» بفروعها كافة، وقرر أيضاً إنهاء الفلتان الأمني والفساد في البلاد. كل ذلك لا يشفع له، لأنه مضى في محاربة حلفاء السعودية.
في الليل كان التوقيت، عاصفة الحزم تنطلق، غارات جوية متتالية للمقاتلات السعودية وبعض دول الخليج على اليمن من شماله إلى جنوبه. المطارات المدنية والعسكرية تستهدف، المعسكرات جميعها صارت هدفاً مباحاً. حرب بكل ما للكلمة من معنى، غايتها تفكيك القدرات العسكرية للجيش وقطع خطوط التواصل بين القيادات الأمنية.
«أنصار الله» لم يكونوا يتوقعون هذا الهجوم المباغت، لديهم مؤشرات وبعض المعلومات عن تحركات ميدانية للمعسكر الخليجي، لكنهم لم يتوقعوا هذا الهجوم السريع وبهذه الغزارة من الغارات التي راح ضحيتها العديد من المدنيين. الصدمة لا بد من استيعابها، سريعاً يجري ذلك من قبل اللجان الشعبية والثورية. القيادات المدنية والعسكرية تلتئم سريعاً، تجري المباحثات سريعاً، تعد الخطط اللازمة، يعاد النظر في الانتشار العسكري للجيش واللجان، قواعد اللعبة تغيرت كلياً الآن. المعركة صارت في الداخل والخارج وتحتاج إلى ترتيبات جديدة.
«أنصار الله» باتوا في موقف لا بد له من رد صارم، البيانات مهما كانت قوية لن يقبلها الناس، الغضب في صدور أنصاره والشارع بلغ ذروته. مصدر قيادي في الحركة يؤكد لـ«الأخبار»: انتظروا المفاجأة خلال الساعات المقبلة...! وينتهي الكلام. في العمل العسكري من الصعب أن تحصل على معلومات أكثر من ذلك. لكن كلام القيادي يوحي بالحزم وبردٍّ معتبر. سننتظر ونرى كيف سيكون الرد.
السعودية في هجومها تدرك جيداً أنها ستواجه رداً من «أنصار الله»، هي جربتهم سابقاً في ما يعرف بالحرب السادسة عام 2009 عندما تدخلت دعماً يومها للرئيس السابق علي عبدالله صالح. تعلم قساوة المعركة مع مقاتلين يجيدون فن حرب العصابات. لم تنس بالتأكيد الرياض أن «أنصار الله» سيطروا على العديد من القرى السعودية وانسحبوا منها بعد اتفاق سياسي يومها. هل استعدت السعودية لهذا السيناريو الذي جربته سابقاً؟ وقد يكون هذه المرة أكثر صعوبة بعد أن طوره العسكر في «أنصار الله»؟ المصادر تقول إن السعودية تتكل هذه المرة على إرسال مصر لقوات برية تنتشر على حدودها البرية لتكون خط دفاعها الأول في هذه المعركة. فهل سترسل القاهرة قواتها إلى هذه الجغرافيا الوعرة؟
السعودية في هجومها على اليمن تكون قد قطعت كلياً خطوط الحوار مع «أنصار الله»، عمليتها سمّتها «عاصفة الحزم» والحزم معناها واضح في اللغة العربية: اتخذ القرار بعد ضبط الأمور بإحكام. الرياض يبدو أنها لن تتراجع عن غاراتها حتى تنهك قوات «أنصار الله» واللجان الشعبية الموالية لها، وتتكل بالدرجة الثانية على القبائل التي لها علاقات وروابط معها بالانقلاب على الحوثيين، تراجع نفوذ الحركة وتغيير القبائل لولاءاتها سيكون له تأثير كبير على معنويات «أنصار الله» بالتأكيد، خصوصاً إن خسروا عسكرياً بعض المحافظات.
القضية الثالثة التي تعتمد عليها السعودية هي «داعش» ومشتقاتها، سيزيد هؤلاء من عملياتهم ضد عدوهم الأول «أنصار الله» وسيسعون إلى إغراق البلاد في الفوضى التي يريدونها، يتقاطعون في ذلك مع ما تريده السعودية من تفتيت اليمن وتدميره.
«أنصار الله» في أدق مراحل عملهم السياسي والعسكري، يعلمون الآن أن الحمل ثقيل جداً عليهم، لكنهم يملكون من النفس الطويل ما يشهد له، وفي العمل العسكري، باتوا يملكون الكفاءة والخبرة لحسم الأمور لصالحهم. لكن قواتهم اليوم على امتداد اليمن، قد تكون هذه نقطة ضعفهم وربما عامل مساعد لإمساك أطراف البلاد ومنعها من الانهيار.
المسألة الأساسية التي يعتمد عليها «أنصار الله» أنه ليس هناك من أمر يخسرونه، ما فعلوه حتى الآن في اليمن هو انتصار لهم، ويرون أنه ليس هناك سيئ قادم أسوأ مما هو موجود في بلادهم، فالفقير وصل إلى ذروة فقرة، والاقتصاد شبه مدمر ومنهار في البلاد، والبنية التحتية حدث ولا حرج عنها. فماذا ينقص البلاد بعد من السلبيات أكثر؟ على العكس، قد تكون الضربة السعودية لها مفعولها الإيجابي على الناس وتزيد من تلاحم اليمنيين في ما بينهم، وحقيقة ظهر جزء من هذا المشهد في صنعاء والعديد من المحافظات، تظاهرات الغضب والمطالبات بالرد كانت عالية نوعاً ما.
في العلوم العسكرية الحديثة، على المهاجم حسم معركته خلال أقل من أسبوع لربح الحرب، إن تجاوز هذه المدة فستنقلب عليه الأمور. الأيام المقبلة ستكون حاسمة للطرفين. فهل يسقط السعودي مرة ثانية في اليمن ويضيع بين جبالها الوعرة وصحاريها المتحركة، أم ستكون فعلاً على قدر اسم حربها... «عاصفة الحزم»؟.