علي ناصر كنانة *

«ثمّ أن تكتبَ عن الموتى
هي أيضاً لعبةٌ، تصبحُ مثقَلَةً
بما سوف يأتي».
يروق لي أن يكونَ الاستهلالُ بكلماته. توماس ترانسترومر الذي رأى وكتبَ قبل أن تباغتَهُ عام 1990، على مشارف الستين، جلطةٌ دماغية شلّت نصفَهُ ومنعته من النطق، ليتعايش مع المعاناة 25 عاماً، وهو يتأملُ العالم بنصف حياةٍ، لا يعلم متى يكفُّ هذا النصف هو الآخر عن الاشتغال حتى توقفَ قلبُهُ عن النبض والشعر والموسيقى، وهو يرى الموت مثل جبلٍ أزرق: «الشمس البيضاء/ تجري لوحدها نحو/ جبلِ الموتِ الأزرق». ولعلَّ ما وردَ في قصيدة «الكابتن المنسي» يجوز له في هذه اللحظة، لحظة الرحيل: «لقد قُيّضَ له أخيراً أن يتمدّد/ ويتحوّل إلى أفق».

وفي قصيدةٍ له اسمها «إعلان»، أعلن ترانسترومر هذه اللحظة، لحظة حلول الموت، حيث تذهب الحياة إلى موتها، ويواصل الموت قطف الحياة: «نحن مسامير حيّة دُقَّتْ في المجتمع!/ ذات يوم/ سننفصل عن كلّ شيء/ سوف نشعر برائحة الموت تحت الأجنحة/ ونصبح أكثر ليونة وأكثر وحشية مما هنا». وهو يدرك لعبةَ تبادلِ المواقع تلك، بين الموتى والأحياء، دون أن يموت الأمل، كما كتب في قصيدته «غزلية»: ورثتُ غابةً معتمة حيث نادراً ما أذهب/ لكنما ذات يوم عندما يتبادل الأحياء والموتى مواقعهما/ حينها تُجعلُ الغابةُ في حركة/ لسنا بلا أمل».
فهكذا هو الموت بسلطانه القاهر، يختار موعد الزيارة، وقد وصفه ترانسترومر في قصيدته «بطاقات سوداء»: «في منتصفِ الحياة يحدثُ أن يأتي الموتُ/ ويأخذَ قيـاسَ الإنسـان/ هذه الزيـارةُ تُنسـى والحيـاةُ تسـتمر/ ثمَّ تُخيَّطُ البذلةُ بصمت». كما أن منسوب الموت كان عالياً، وقد أخذ حصة مبكرة من حياته: «منخفضةٌ ضفافي، إذا ما ارتفع الموتُ لديسيمترين/ أغرقْ».
وفي 27 مارس 2015، رحل الشاعر وهو يتساءل عن ضوء كبير قد يلفّ رأسَه (في قصيدته: مقدمات موسيقية): «في ساعات الصباح الأولى يستطيع الوعي إدراك العالم/ كما تحتضن اليد حجراً دافئاً/ المسافر يقف تحت الشجرة/ أَبعدَ السقوط في دورة الموت/ يلفُّ رأسَهُ ضوءٌ كبير؟».
رحل توماس ترانسترومر بعدما أنشد للحياة كثيراً وللإنسان حيثما كان، من شنغهاي إلى مصر، ومن بنين إلى إيران، ومن الجزائر إلى نينوى. وبصفته نفسانياً عمل في قطاع يضج بالمعاناة، ولكن المعاناة اختارته ليكون جزءاً منها. وعندما رثى داميان، في مطلع ستينيات القرن العشرين في قصيدته «مولوكاي»، فكأنما كان يتنبأ بحاله مبكراً. فقد كان باتر داميان، واسمه الحقيقي جوزيف دي فويستر (1840-1889)، مبشّراً بلجيكياً كرّس حياته منذ عام 1873 للعناية بمرضى الجُذام الذين تمَّ عزلهم عن العالم في مولوكاي، وهي جزيرة من جزر هاواي، وقد مات مصاباً بالمرض ذاته: «داميان، بحبٍّ، اختار الحياةَ والنسيان/ حصل على الموت والشهرة».

* كاتب ومترجم عراقي، سبق له أن ترجم مختارت لترانسترومر بعنوان «ليلاً على سفر» (صدرت عام 2003).