القاهرة | لم يعد التأييد السياسي المطلق للمشاركة المصرية في العدوان السعودي على اليمن لاستعادة شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي التي تنادي بها الرياض محل ترحيب من الأحزاب والمفكرين جميعهم، فالأصوات المعارضة للموقف الرسمي بدأت في الظهور، وإن كان ذلك عبر وسائل إعلامية أقل انتشاراً من الوسائل الرسمية، فإنها رسالة وصلت إلى النظام.

وتبدو الأصوات التي تتصاعد يوما بعد يوم معبرة عن فئة لا يمكن تهميشها في المجتمع المصري، لأن بعض أصحابها من المنتمين إلى التيار الناصري الذين يقولون إنهم يؤمنون بالقومية العربية، وهم يرون أن قرار المشاركة «توريط سياسي للجيش المصري» في وقت تعاني فيه البلاد مشكلات ملتهبة على حدودها الشرقية في سيناء والغربية مع ليبيا.

وعمليا لم يعلن الجيش المصري تنفيذ أي تحركات عسكرية نحو الأراضي اليمنية، كما أن المستوى الرسمي لم يخرج أي بيان يفيد بتنفيذ أي عمليات جوية ضمن القوات التي تتولى قيادتها السعودية. وكل ما حكي عنه هو تحرك قطع بحرية لتأمين مضيق باب المندب وحركة الملاحة المتجهة والعائدة إلى قناة السويس، التي تعتمد عليها الحكومة المصرية، على أنها المصدر الرئيسي للعملة الصعبة.
وفي ظل أن الجيش لا ينشر الجيش أي معلومات رسمية عن التنسيق المصري ـ السعودي (على عكس الدول الخليجية التي نشرت صورا من غرفة القيادة لقادتها العسكريين وهم يتابعون نتائج الغارات)، فإن مصدرا رئاسيا يرجع ذلك إلى كون عبد الفتاح السيسي غير معني بالتصريح عن أي دور لبلاده «حرصاً على سلامة المصريين المقيمين في اليمن»، لذا ستبقى تحركات مصر غير معلنة حتى إشعار آخر، مع تلميح المصدر إلى أن هناك غارات جوية نفذها سلاح الجو بالفعل.
على الصعيد الإعلامي، لا تبدو الصحف المصرية، القومية أو الخاصة، جادة في نشر الآراء الرافضة للمشاركة في حرب اليمن، وكذلك المحطات الفضائية، وهذا ليس منطلقه دعم قرار الرئيس فحسب، بل لتجنب توجيه الاتهامات بالخيانة للأصوات المعارضة، وهو الاتهام الذي بادر المستشار الإعلامي السابق لرئيس الجمهورية، أحمد المسلماني، بتوجيهه إلى الإعلامي الشهير محمد حسنين هيكل بسبب رأيه المتحفظ الذي أفصح عنه في لقاء تلفزيوني لم يعرض بعد، وكل ذلك سيقود إلى اشتباك إعلامي كبير.
ومنذ بداية الحملة الجوية، فإن كل ما تقدمه وسائل الإعلام في الترويج للمشاركة المصرية هو «القضاء على النفوذ الايراني الشيعي» في المنطقة، وقد أتى هذا الادعاء كوسيلة ناجحة في كسب تأييد الجمهور وخاصة في ظل تكرار نشر أخبار عن مواجهات بين عسكريين إيرانيين وقوات مصرية خاصة تشارك في الحرب، ثم يثبت لاحقا عدم صحتها.
في المقابل، يعبر المرشح الرئاسي الأسبق، خالد علي، وهو المعارض البارز لتنفيذ عمليات عسكرية مصرية في اليمن، عن رفضه التدخل المصري، ولكنه لم يقدم ذلك سوى في تغريدة عبر «تويتر»، رافضا الحديث في الأمر على نطاق واسع إعلاميا.
يعلق أستاذ العلوم السياسية في جامعة حلوان، محمود مدكور، بالقول إن سياسيين وإعلاميين كثيرين يدركون أن أي تدخل عسكري في اليمن سيؤدي إلى نتائج كارثية، ولا سيما إذا جرى الدفع بقوات برية رغم تجنبهم الاعتراف بذلك، مشيراً إلى أن هذا الموقف سيؤثر سلبيا على طبيعة العلاقة بين الشعبين المصري واليمني وخاصة مع وجود انقسامات داخلية وتباين كبير في الآراء بشأن من يحق له السيطرة على السلطة. وأضاف مدكور أن الموقف المصري يجب أن يكون رعاية مفاوضات بين طرفي النزاع في اليمن وليس الانحياز إلى طرف على حساب آخر بل المشاركة عسكريا معه، مذكّرا بأن الموقف على الأرض بالغ التعقيد ولن يكون «الحل سوى تقاسم السلطة بين طرفي النزاع لإنقاذ اليمن من شبح التقسيم».