■ بدأت بالعمل في عمر مبكر جداً، ووقفت أمام الكاميرا وتقاسمت البطولات مع ممثلين كبار وأنت في سن الـ 12. بماذا أفادك هذا الأمر، وبماذا ميّزك عن غيرك؟


زوّدني بغنى كبير، وتمكنت من مواكبة أجيال مختلفة منهم مؤسسو الدراما السورية. اطلعت على مدارس فنية عدّة وعلى تطوّرات الفن السوري منذ ثمانينيات القرن الماضي. تعلّمت وراقبت واشتغلت مع هؤلاء قبل أن أعرفهم كأشخاص وكقيم إنسانية، إلى جانب حضورهم الفني. بعد ذلك، درست في «المعهد العالي للفنون المسرحية» وصقلت موهبتي لأدخل مرحلة الاحتراف.

■تسافر حالياً إلى مصر وتخوض أولى تجاربك في الدراما هناك من خلال مسلسل «ألف ليلة وليلة» (تأليف محمد ناير، وإخراج رؤوف عبد العزيز). حدّثنا عن دورك، وكيف لك أن تجيد اللهجة التي فشل في إتقانها غالبية السوريين الذين عملوا في المحروسة؟

نقدّم القصة الكلاسيكية المعروفة، ولكن نحاول صناعة صورة بصرية ملفتة تجذب الجمهور بموازاة ميزانية ضخمة وممثلين مهمين مثل شريف منير، وآسر ياسين، وعائشة بن بكار، ونيكول سابا، وسوزان نجم الدين، ونسرين طافش... أجسّد في العمل شخصية «كِسرى» ملك الفرس من دون الاعتماد على قواعد مسبقة الصنع عن هذه الشخصية الجديدة عليّ كلياً. أما بخصوص اللهجة، فهي بيضاء غير غارقة في المحلية والشعبية المصرية، لذا تمكن إجادتها.

■ أديت أخيراً دور البطولة في مسلسل «بنت الشهبندر» (كتابة هوزان عكو، وإخراج سيف الدين السبعي) الذي سيُعرض في رمضان المقبل. ماذا تخبرنا عن شخصيتك، وما هو المختلف في هذا العمل حتى وقع اختيارك عليه؟

العمل يقدّم قصصاً عن عائلات دمشقية سكنت بيروت في بدايات القرن الماضي قبل التقسيم. رغم أنّنا لا ننحو باتجاه التوثيق، إلا أنّ العمل يقدّم حالة الوحدة والانسجام التي كانت سائدة في ذلك الزمن في بلاد الشام عموماً.


الأبوة شعور
لا يوصف، ولقد عرفت قيمة أبي أكثر

ومن جهة ثانية، يسلّط الضوء على القيم النبيلة. صحيح أنّ هذه القيم طُرحت في أعمال سابقة، لكن تقديمها مجدداً مسألة ضرورية، خصوصاً أنّنا نطرحها بطريقة تبتعد عن الـ«كليشيه». أما عن شخصيّتي، فهي «زيد» ابن الزعيم الذي يتعرّض لحادث ويختفي. وهي مسألة قد تحدث مع أي شخص في هذا الزمن. المختلف في «زيد» أنّه يذهب بنفسه نحو القراءة والاطلاع والمعرفة، بعيداً عن العنتريات. وللأمانة هذه الشخصية منحتني أبعاداً جديدة للعب عليها.

■ حالياً، تخوض تجربة تقديم برنامج «مذيع العرب» (كل يوم جمعة ــ 22:30 على «الحياة» و«أبو ظبي الأولى)، وكأنّك تتعدّى على مهنة أخرى وتأخذ فرصة ربّما لو قُدّمت لإعلامي شاب لساهمت في تكريسه وشهرته؟

هنا، لست سوى مقدّم برامج، ولا أحاول امتهان الإعلام، كما أنّ مواصفات المقدّم لجهة الحضور والقبول وأسلوب الكلام أبسط بكثير من مواصفات الإعلامي. عموماً، طُرحت عليّ الفكرة بعدما طُرحت على مقدّم برامج لم يوفّق فيها ولم يصل مع الجهة المنتجة إلى صيغة مناسبة. فوقع الاختيار عليّ على أمل أن أكون مناسباً للمهمة. تردّدت طويلاً، لكنّني رأيتها مختلفة كون فكرة البرنامج جديدة وخلاّقة ولا تقلّد أي برنامج آخر، كما تمنح الإعلاميين فرصاً. وربما يكون وجودي مساعداً في ظهور هؤلاء. وبعد نهاية البرنامج سأعود إلى مهنتي كممثل.

■ ذات مرّة، سخر مسلسل «بقعة ضوء» في إحدى لوحاته من برامج المواهب الغنائية. ربّما يتكرّر الأمر في جزئه الجديد ويكون أداؤك في «مذيع العرب» مادة للتهكم. كيف سيكون موقفك لو حصل ذلك؟

ربّما يحصل ذلك وربما يحصل العكس. الاحتمالات مفتوحة، وأي شخص يعمل في مهنة تخاطب الجمهور مباشرةً معرّض للنقد والسخرية. وهذا ما يحدث يومياً في هوليوود مثلاً. عندما قرّرت خوض هذه التجربة، اعتبرتها مغامرة مفتوحة. وعندما قدّمت نفسي بشكل جديد توقعت النقد قبل المديح، لكن عندما يصل البرنامج إلى ذروته ستكتشفون أهميته في تسليط الضوء على مواهب جديدة.

■ هل تقاضيت أجراً كبيراً يوازي موهبتك وشهرتك، وربّما كان سبباً إضافياً لخوضك هذه التجربة؟
لا شك في ذلك.

■ كان هناك منافسة حادّة بين مجموعة ممثلين سوريين منهم قصي خولي وتيم حسن وباسل خياط ومكسيم خليل وأنت. لكنّك تأخرت عن اللحاق بالركب وتفوّق غالبيتهم عليك. والآن عدت مجدداً لأجواء المنافسة. هل لك أن تشرح لنا ذلك والأسباب التي أدّت إليه؟

هذا التحليل صائب إلى حد كبير. وربّما ساعدت مجموعة ظروف في هذه الحالة. بالنسبة إلي، شاركت في مجموعة أعمال لم تلق العرض المناسب، إضافة إلى أنّني شخص لا أعرف كيف أبني علاقات جيّدة تخدمني في مجال عملي. طبعاً، كل الأسماء التي ذكرتها موهوبة جداً ولها حضور كبير. وللحقيقة، الممثل السوري الجيّد هو أحد أهم عوامل نجاح الدراما في بلاده، كما أنّه يمتلك من المقومات ما يرشحه ليكون أحد الأطراف الفاعلة في هوليوود. لذلك، هو مستمر في حضوره عربياً رغم الحرب التي تشتعل في بلاده، ولا يمكن مقارنة ممثل بآخر، إنّما يمكن له أن يقارن بنفسه في مجموعة أدوار. كما أنّ الممثل الجيّد لا يؤطره عمر، وهناك نماذج ناصعة نالت شهرتها في عمر متأخر مثل الراحل خالد تاجا.

■ إلى أين تتجه قافلة الدراما السورية؟ هل تسلك طريقاً بنهاية مضيئة، أم أنّها تائهة لا تعرف وجهتها بسبب الأحداث العاصفة؟

الموهبة السورية لا تموت. رغم كل هذا الأسى، أعتصم عند حالة تفاؤل تساعدني. مهما اشتدت الظروف، سيبقى هناك أشخاص يعملون بجد وتظهر إلى العلن تجارب مهمة. قد تتوه القافلة كما ذكرت لوهلة، لكنّها حتماً ستظل على طريق إنجاب المواهب والتجارب المهمة لأنّ السوري موهوب بالفطرة، ليس في الفن فقط إنّما في كل المجالات.

■ دعنا ندخل لعبة مقارنة بيني وبينك. ليس على مستوى شخصي، إنّما نسبةً إلى تقارب المهنتين، رغم أنّك كممثل شهرته أكبر وتأثيره في الرأي العام أعمق وشعبيته أوسع، لكنني أجد نفسي مضطراً كصحافي للحديث عن الحرب في بلدنا. الكثير من الصحافيين يتابعون الأحداث والتطوّرات يومياً، بينما أنت تنأى بنفسك كلياً عمّا يحدث كغيرك من الممثلين. هل من العدل أن يحدث ذلك؟

أتمنى ألا يكون
زواجنا قد أخّر مشروع لبنى المهني


من صلب مهنة الصحافي ومهماته تسليط الضوء يومياً على الأحداث الجديدة، سواء ساعده ذلك في التغيير والتأثير أم لم يساعد. أما الفنان، فهو مطالب إذا أراد أن يعبّر عن رأيه في ما يحدث أن يساهم في تشكيل نسبة من وعي الجمهور. لكن الحقيقة أنّه في فترات الحروب والمخاضات الكبرى للتغيير، أثبتت التجربة أنّ رأي الفنان لا يغيّر ولا يُسمع إطلاقاً. في الحروب العالمية، لم تكن هناك أصوات لفنانين تؤثر في مجريات الأحداث. عندما يفقد شخص عائلته أو بيته، لن يستمع إلى فنان يتحدّث عما يحدث. ربما للفنان أن يدلي بدلوه في مذكراته مثلاً أو في عمل فني بعد مرور فترة كبيرة.

■ كمواطن سوري، عندما تنظر إلى هذا الخراب الذي يسوّر بلادك، ماذ يمكن أن تقول؟

أنا مواطن سوري ولدت وعشت وتربيت في سوريا، وما أنا عليه يعود الفضل فيه لبلادي ومجتمعي. كل ما يمكنني قوله إنّني لا أحب الدم. عسى أن ترافق الرحمة كل شهداء سوريا، وكل ما أفعله هو الدعاء والصلاة بعودة الأمن والاستقرار والبسمة لبلدي وأولاد بلدي.

■ زوجتك هي الكاتبة لبنى مشلح، والتي كانت توحي بمستقبل واعد مهنياً، لكن ذلك تبدّد بعد زواجها منك. هل ساهم ارتباطها بك في تراجع مشروعها وغياب تجاربها؟
(يضحك) أتمنى ألا يكون الأمر كذلك. للحقيقة أخوض معها دائماً نقاشات حول هذه الفكرة. ربّما أكون قد أخذت جزءاً كبيراً من وقتها. هي امرأة تكتب بحساسية عالية وخصوصية مطلقة، وهي أصلاً مقلّة جداً. وقبل زواجي بها، كانت تعمل على مشاريع عدّة لم تبصر النور لأسباب مختلفة. أظن أنّ تجربة الزواج والأمومة حديثاً قد تُغني مشروعها القائم حتى ولو تأخر.

■ عادةً، يُخبرنا المشاهير بجمل بسيطة لكن مؤثّرة عن تجربة الأبوة. رُزقت حديثاً بمولودك البكر «جود». كيف تصف لنا هذه التجربة، ولحظاتها الخاصة والجديدة عليك؟

بدايةً، أتمنى أن يعيش هذا الشعور كل من يشتهيه، وأتمنى أن ترافق السلامة أطفال سوريا والوطن العربي. الأبوة شعور لا يوصف، لقد قدرت تماماً قيمة والدي رحمه الله، وعرفت معنى كلمة أب أثناء رؤيتي لابني يولد أمامي. إنّه استمراريّة لي بطريقة أو بأخرى. عدت لتربية والدي لنا باللاوعي، واكتشفت فضله وعطاءه. تعرّفت إلى نفسي مجدداً، واختلف إحساسي بشخصيّتي وبالحياة، وهذا شعور جديد يكبر يومياً.

■ لكن شعباً يفقد وطنه، كيف يمكن لأبنائه أن يمتلكوا الجرأة وينجبوا جيلاً جديداً ليعيش في أرض محروقة؟

فكّرت طويلاً بهذا الموضوع وما زلت. هذا كأس على كل الناس، وبرأيي أنّ سوريا يجب أن تُنجب أبناءها وتستمر في الحياة. أملي كبير بأن يعيش ابني في دمشق، ويتعرّف إلى بلد أبيه وجدّه، وأن أحكي له كيف كانت بلادنا وكيف صارت. وهذا في النهاية قدر، ولا بد لجيل جديد أن يُخلق، ليعرف الحقائق، عساه يستطيع التغيير إذا عجزنا نحن عن ذلك. وعساه أن يبني وطناً أفضل. (تدمع عيناه) دعني لا أستفيض بالحديث عن الجراح لأنّنا مثقلون بها وبالانكسارات. دعنا نملك جرعة من التفاؤل ونمضي بها.

■ لو امتلكت آلة الزمن وعدت بها أربع سنوات إلى الوراء، وكنت صاحب قرار في سوريا، ماذا كنت ستفعل لنتجنّب ما حدث؟

أقرّر شن حرب شعواء على الفقر والجهل والفساد.

■ عندما ينهك قيس الشيخ نجيب من التعب ويود البكاء، إلى من يلجأ؟

(صمت طويل) ألجأ إلى الله فقط. حتى لو أنّ هناك من هو مستعد لاتهامك بأنّك «إسلامي» لمجرّد ذكرك كلمة «الله»، لكنّني فعلياً لا ألجأ إلا له.