حرب السعودية وحلفائها على اليمن طويلة وطويلة جداً. الرياض لن تتراجع بأي شكل من الأشكال قبل «الانتصار» على حركة «أنصار الله». هذا ما تطمح إليه المملكة الوهابية وتريده، لن تقبل بقوة أو دولة مستقرة على حدودها، هدفها تدمير اليمن وإعادته إلى شاكلة ما كان عليه أيام الرئيس السابق علي عبدالله صالح. تريد تقسيم اليمن إلى «يمنين» وإعادته في الزمن أكثر من ربع قرن إلى الوراء.

الموقف السعودي ليس سوى انعكاس للإرادة الأميركية واستراتيجيتها في المنطقة، استمرار التوازن الطائفي، المحافظة على مصالحها الاقتصادية، وإبقاء المنطقة في حالة الـ«لا» استقرار سياسي.

«أنصار الله» خرقوا هذه الخطوط الأميركية السعودية في المنطقة، ثورتهم كانت تتجه إلى توحيد اليمن تحت قيادتهم في إطار السلم والشراكة لجميع القوى. تمكنت من إزاحة رموز الحكم القديم كلياً عن المشهد، طرحت الحوار والدولة اليمنية ضمن إقليمين، شمالي وجنوبي. دعت إلى إعادة النظر في طبيعة الحكم وهويته، قدمت مشاريع اقتصادية تخرجها من دولة فقيرة تعيش على المعونة السعودية والبنك الدولي والمساعدات الأميركية. أفكار تقدمية، لا يمكنها أن تمر في الحديقة الخلفية للسعودية. يدرك حكام الرياض وواشنطن أن انعكاسها سيكون خطيراً على استقرار الخليج. فعلت الرياض كل ما يمكنها في الداخل اليمني لاحتواء الحركة وتحجيمها، لكنها أخفقت مع السلفيين في «دماج»، فشلت مع علي محسن الأحمر في صنعاء، خسرت مع التجمع اليمني للإصلاح في عمران وصنعاء وغيرهما من المحافظات، سقطت مع مشاريع الرئيس الفارّ عبد ربه منصور هادي في المبادرة الخليجية. لم يبق للرياض أحد، «أنصار الله» تتقدم وتحقق النصر على متفرعات «القاعدة» و«داعش» وتتجه للإمساك بزمام الأمور.

أولوية «أنصار الله» في الجنوب الآن هي لحماية ظهرهم من «داعش» و«القاعدة»

تجري الرياض اتصالات سرية مكثفة مع واشنطن، يجري إعداد خطط الحرب، يتشكل الحلف سريعاً ويبدأ الهجوم الجوي الذي لم يعد يسمع أي صدى له على اليمن سوى عدد الضحايا الأبرياء. بدأ مفعول الضربات الجوية يتراجع تدريجاً، وصارت تكرر نفسها، طلعات جوية تغير على منشأة عسكرية فارغة أو مطار بلا طائرات. يحيد الطيار السعودي عن هذين الهدفين، فيضرب الأبرياء في منازلهم، يدمر البنية التحتية أو يقصف مركزاً حيوياً.
لم تتمكن الغارات من قتل أي قيادي في «أنصار الله»، جميعهم يظهرون بشكل شبه يومي على الإعلام لكشف حقائق الهجوم السعودي عليهم.
لم يجبر القصف الحركة أو اللجان الشعبية المرتبطة بها على التراجع من أي منطقة دخلتها، على العكس يسجل يومياً تقدماً للجان على الأرض في محافظات الضالع وشبوة وعدن في أقصى جنوب البلاد.
لم تؤلّب الغارات القبائل على الحركة كما كانت تشتهي الرياض، لا بل زاد الغضب والنقمة لدى المواطن من استمرار استباحة السعودية لأجواء وطنه وانتهاكها.
الفضائيات المرتبطة بالسعودية أو قطر وحدها ترى أن الغارات تحقق أهدافها بالإضافة إلى الرئيس الفارّ عبد ربه منصور هادي.
لن تستمر هذه الحال طويلاً، «أنصار الله» تؤكد أن الفرصة الممنوحة للسعودية لوقف غاراتها شارفت على الانتهاء، وربما دخلت في الوقت البدل عن ضائع.
ترى الحركة أنها أعطت الرياض الوقت الكافي لإعادة النظر في عدوانها على الشعب اليمني.
مصدر قيادي في «أنصار الله» يجزم لـ«الأخبار» بأنّ الرد على العدوان سيكون كبيراً جداً وأكبر مما تتوقعه السعودية، مؤكداً أن الرد لن يكون سوى البداية لسلسلة مفاجآت أخرى للرياض.
عضو المكتب السياسي للحركة، ضيف الله الشامي، كان قد أكد في تصريح لقناة «الميادين» أن الحركة «ستهاجم السعودية في عقر دارها...» هل هي زلة لسان أم انفعال لحظات على الهواء؟
حتى الآن يلتزم «أنصار الله» ضبط النفس، لا يخفون أنهم يحشدون قوات ضخمة على الحدود، لكنهم لم يعطوا حتى الساعة الضوء الأخضر لبدء الهجوم.
الرسالة واضحة جداً من «أنصار الله». لا داعي للعب بالنار أكثر مما حصل حتى الآن. تقول للرياض إن مجالات الحل ما زالت مفتوحة رغم كل ما جرى.
هناك مبادرة روسية وأخرى عمانية، «أنصار الله» على استعداد للمضي بها، يلينون موقفهم بالقبول بحوار يمني ـ يمني خارج الحدود، لكنهم يرفضون قطعاً أي حوار في الرياض أو في دولة شاركت في الحرب عليهم، وهم حاسمون أيضاً باستحالة عودة هادي للرئاسة.
أولوية «أنصار الله» في الجنوب الآن، لا يسعون إلى بسط السيطرة التامة على محافظاته، همهم الأساسي حماية ظهرهم، الدخول في مواجهة مفتوحة مع السعودية تستدعي تأمين المناطق الجنوبية من «داعش» و«القاعدة» لمنع استهدافهم من الخلف أو التوسع على حسابهم. بالتالي، لا بد من موطئ قدم لهم على البحر الأحمر وخليج عدن، وفصل المحافظات عن بعضها بما يسهل لهم الإمساك بها. الحراك الجنوبي منقسم حول ما يجري، بعضه يقاتل «أنصار الله» وفي نيته الاستفادة من هذا الظرف للوصول إلى مبتغاه بالانفصال عن الشمال. أطراف أخرى يبدو أنها تسهل الطريق للحركة للتقدم في الجنوب بناءً على تفاهمات سابقة معها. وما جرى في باب المندب ومعسكرها مؤشر على ذلك.
الرياض المدعومة بتحالف من تسع دول، دخلت الحرب بسقف عال جداً، ولا يبدو أنها في وارد إنهاء المعركة قبل تحجيم الحركة وإعادتها إلى موقعها في صعدة. الحرب الجوية لا بد أن تستتبع بهجوم بري. هنا المعركة الحقيقية، الجيش السعودي جرب «أنصار الله» في جولة سابقة وخسر. ماذا يخبئ لهذه المعركة؟ الحلفاء كمصر وباكستان لم يقطعوا وعداً بإرسال قوات برية لدعم الجيش السعودي. فهل سيخوضها وحده؟
«أنصار الله» تستعيد المبادرة شيئاً فشيئاً بعد المباغته السعودية، ترى الابتسامة على وجوه قادتهم بعد الارتباك في أولى أيام الغارات.
جمهورهم يزداد في الساحات، ليس في صنعاء أو صعدة، بل في مختلف المحافظات. جرعة معنويات مهمة للحركة في ظروف كهذه.
الحرب لا تزال من طرف واحد، طبولها لم تقرع بعد من قبل «أنصار الله». كيف ستديرها الحركة، وماذا في جعبتها لم تخرجه بعد؟ هذا المنتظر.