وجوه الصور حين تبعد، يتفكّك ارتباطها بأشخاصها، فتخلق كل صورة مساراً سردياً خاصاً، حتى يكاد التوصيف المرفق بها يصبح رفيقاً للشخص. ذاك الذي، ما إن «يبتعد» زمنياً عنها، حتى تبني له ألفة خاصة: ألفة الانعتاق من الماضي، الذي يخفف من وطأة الحاضر ويصنع الذاكرة.


هكذا، حين نقلّب السنوات بهذه الخفة، واحدة تلو الأخرى، تصير الوجوه البعيدة في الصور كعكّاز الذاكرة القديمة، بعدما يُشركها الوقت في تراكم الأشياء واللحظات والمشاعر. وتصبح كل حكاية ننسجها لصور الألبوم، دليل صحبتنا الجديدة، حتى لا تبقى الوحدة تدلف إلى القلب، كحبات المطر الأولى.
تُبعدنا الحروب، وتقرّبنا الصور. توسّع فراغ أعيننا، ونحن نهرب بها من القذائف. تصنع لعبة المد والجذر. بيننا وبين الموت أيادٍ خفيّة، تارة تلصق أجسادنا بالنار، وتارة ترمي بنا إلى أماكن مقفرة وباردة. أو هكذا، يخيّل إلينا. تعيد الحرب صياغتنا. تخلق هوّة في الداخل. تلك التي تخلق، بدورها، سبباً لنسيان حقائب الثياب على الدرج المتداعي أثناء الهروب، بينما نتأبّط ألبوم الصور. نريد أن نتذكر ونحن نهرب أننا كنّا هنا. نريد أن يعرف القاتل قبل أن يبصق الرصاص بوجوهنا أن حياة مررنا بها، ووثائق حدوثها صارت في الألبوم نفسه: لحظتنا الموثقة، ونحن نركض على حافة الشاطئ. صور رحلات النهر التي لا تخلو من فاكهة البطيخ... وفيها الشخص الذي يرتدي «البروتيل» القطني الأبيض، والذي يختار دائماً أن تكون صوره وهو يلقي بالبطيخ إلى الماء حتى يبرد. أو صور حفلات العائلة، حين نجح الابن الأصغر بشهادة البريڤيه، وقررت الأم صنع قالب الحلوى في البيت، وزينته بالشوكولا الملون المبروش، ولم يختر المصور حينها لحظة تثبيت المشهد إلا حين كانوا غارقين بضحك هستيري لا نعلم سببه.
ترمي بنا أصوات الصواريخ الأولى إلى قلب البيت، حيث ينده الواحد منا للآخر ممسداً هلعه. تهرع الوجوه إلى الرأس. حين كانت الأم تحمل ابنتها لترضعها ويشدّ ابنها الأكبر بطرف قميص النوم الواصل إلى كاحليها، ويصرخ غيرة من أخته. وقد يعرف القاتل أيضاً أنهم حين قرروا تغيير أثاث الصالون، لم يسمح الأب لأولاده بالدخول إليه، لكنه كان ينده لزوجته خلسة في الليل، ومعه الكاميرا الرمادية كي تأخذ له صوراً على الكنبات الجديدة، وهو ينفث دخان سيجارته من دون النظر إلى العدسة. وستتأمل البنت صور عرس خالتها، حين كانت تحملها الأم وتشدها إلى صدرها من دون أن تنتبه أنها قد عبثت بجمال فستانها الزهريّ المزركش، حين بدت لمعة «الحفّاض» طاغية على جمال ردائها.
ترمم الحروب الذاكرة. هذه الصور التي لا تهرع مثلنا. الصور الرفيقة. هي اليد التي تُدني، مثلما يفعل عاشق حين يمسك بثوب حبيبته من الصدر ويشدّها إليه. ترخي الحرب ملامح لصيقة بالوجوه الأصلية. حتى تصبح الصور القديمة، حين نحرص على حملها معنا أينما لجأنا، مرآة الوجوه الفائتة. حين نخسر في جولات المعارك وأصوات الرصاص حقائبنا على الدرج المتداعي بعدما هبط البناء، ونربح ذاكرة الموت المؤجل في ألبوم الصور.