أذكر تلك الصورة جيداً. الوجه الذي فيها، بلونيه اليتيمين. وجه أمي الذي بقي معلّقاً على إحدى دُرَف خزانة الملابس في غرفتنا. أذكر أنها كانت الصورة الوحيدة بالأبيض والأسود بين مجموع الصور العائدة لنا، وفي آخرها فسحة بيضاء باهتة، كُتب في وسطها بخط اليد: بيروت. الصخرة (الروشة). 1973. أظنّ أنه خطّ يد أمي، فهو يشبه كثيراً ما تدوّنه الآن في دفتر «الحلويات». بقيت هذه الصورة هناك إلى أن «تفرطعنا»، كل في بيته.


أفرغنا «الدرفة» من الصور، واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبق إلا الصور الشخصية. ما كنّا نسمّيها، اصطلاحاً، صور «إخراجات القيد». صورة أمي، التي كانت العلامة الفارقة، تَلَفَت بغيابها عن الخزانة لونين من ذاكرتي، يعادلان حقبة طويلة من الزمن وقد انتهت، وإن كانت أمي ما تزال تحتفظ منها ببضع صورٍ مهترئة وباهتة لا يعوّل عليها، إلا في الإبقاء على أرشيف في الذاكرة.
بالنسبة لي، صورة أمي التي لم تعد موجودة في مكانها تشبه ذلك الكرسي الذي لم يعد يملؤه أبو سمير، مصوّر «الفوري» عند صخرة الروشة. كلاهما دفنا حقبة الزمن تلك.
قبل بضعة أشهر، مات أبو سمير. أبو «طاقية بيضا»، كما يحلو لأبو وليد ـ مصوّر الفوري لثلاثين عاماً هو الآخر عند الصخرة نفسها ـ وصفه لتذكيرنا به، إذ لا يمكن لأحدٍ مرّ من «حدّ الصخرة وما يكون تصوّر عند أبو سمير». حينذاك، تساءلت في نفسي: أيعقل أن تكون صورة أمي قد تحمّضت في جيب أبي سمير؟ هذا الرجل الذي عاش خمسين عاماً من عمره قرب الصخرة، مردّداً عبارة واحدة ـ هي لقمة عيشه ـ «بتحبّ تتصوّر؟». بدأ حياته «هناك»، يقول أبو وليد، وبقي هناك أيضاً إلى حين موته. تلك الفترة التي يقيسها أبو وليد بتغيّرات «الليرة اللبنانية». يقول: «إجا أبو سمير على إيّام ما كانت الصورة بليرة ونص وضلّ يصوّر لحدود ما صارت بـ3 و4 آلاف ليرة». على «إيام» الليرة، كانت الصورة أجمل. على هذا يجمع المصورون. كانت «أعرض» وكذلك «البياض» في الأسفل. يعوّلون على ذلك البياض لأنه للذاكرة. كل تلك المميزات لم تعد موجودة في صور اليوم، وإن كانت فورية. وثمة ميزة أخرى وحنين أيضاً لصورة «التركيب» التي راحت مع اختفاء كاميرا «البولارويد». صورة «الصورتين»، يقول أبو وليد. تلك التي «تظهرين فيها مرتين، واحدة بجانب الصخرة وأخرى على الصخرة».
مات «أبو الطاقية البيضا»... والبولارويد وصورة التركيب. لن يملأ الفراغ الذي تركه أحد، فهذه المهنة ليست مغرية، إن كان المطلوب منها تأمين لقمة العيش. هناك، حيث انتظر أبو سمير «عيشه» خمسة عقود، لم يبق إلا ثلاثة مصورين ومحل تائه لأفلام «الفوري» في سن الفيل. ينتظرون ساعات قبل أن «يستفتحوا» بزبون، يزوّدهم بالخمسة «الطايرة على القهوة والدخان». قد لا يستفتحون بأكثر من 4 زبائن، ولكن مع ذلك لا مفرّ من البقاء حتى ساعات متقدّمة من الليل. فهذه المهنة مهنة انتظار، فقد «تأتيك الرزقة متأخرة»... وهي مهنة صبر أيضاً، يعني «بدّك تكسر إجرك وتقعد عليها».
ثلاثة صابرين «يحرّكون» المهنة كي تبقى «شغالة». فماذا بعدهم؟ ثمة احتمال واحد لا أكثر «يجي شي واحد متل حكايتنا».

■ ■ ■


أذكر «الشرشف» الذي كان يلازمه كظلّه. يستيقظ صباحاً ويدسّ رأسه فيه، طالباً من شقيقته الوقوف أمامه كي يصوّرها. لا ينسى أن يذكّرها في كل مرّة بأن عليها الابتسام. ذلك الطلب الذي يرفقه دائماً بعبارته المحببة «اضحكي الصورة تطلع حلوة». وعندما يجهز كل شيء، يبدأ العدّ ثم يفتعل «صوت» الكاميرا: تك. يرمي شرشفه، مباشراً عملية التحميض. يضمّ يده إلى جيبه وينتظر. تخرج الصورة المفترضة. يقرّبها إلى عينيه ويبتسم. يهديها إيّاها، ثم يلملم أشياءه.
بعد وقت، سيستحيل الشرشف كاميرا. وسيحملها محمد إلى صخرة الروشة. يرابط هناك بانتظار من يقف أمامه ويبتسم له. سيفعل محمد ذلك لخمسة عشر عاماً بلا تعب. وفي كل مرّة، سيذكر «إيّام ما كنت ملكّف إمّي بالحرامات»، وتلك العبارة التي رافقت جيلاً بكامله، منتصف التسعينيات. حينذاك، كان محمد يدرس في «المهنية كهرباء سيارات». تخرّج، ولكن ظلّ الشرشف عالقاً في ذاكرته. عمل في اختصاصه سنوات، قبل أن يتركه إلى التصوير، لسببين، أولهما حنينه إلى أيامه الماضية وثانيهما «لأنني لا أحب العمل تحت إيد الناس». اشترى كاميرا وصندوق أفلام وبدأ عمله عند صخرة الروشة وما زال.
اليوم، يمرّ 15 عاماً على مهنته، لم يراكم خلالها إلا سنوات عمره. لا شيء أكثر، فهذه المهنة ليست «عيّيشة». أو لنقل لم تعد كذلك «مع الديجيتال وكاميرات الهواتف»، انطفأ العيش شيئاً فشيئاً. فبعد ساعات طويلة من العمل ينهيها هبوط الليل، لا تتعدّى الغلة «25 ألفاً أو 30 ألف ليرة، منها 4 آلاف لعلبتي الدخان و3 آلاف للقهوة». غلّة بالكاد تكفي قوت يوم. في هذه المهنة، لا شي اسمه «قرش أبيض ليوم أسود». هناك هاجس واحد فقط: «اللقمة»، وإبقاء بعض الليرات لشراء الأفلام التي «يبلغ سعر الواحد منها 23 ألفاً». مع ذلك، سيستمر محمد في عمله، لأنه «ما عادت تحرز اشتغل شغلة تانية، وتعوّدت عليها وبحبها». تماماً كما بعض الناس، وخصوصاً كبار السن. يحبونها لأنها تذكرهم بذاكرة مضت. أما الشباب فيحبونها لأنها «سلبة بتطلع دغري».
هناك عند الصخرة، لكل واحد حيّز لا يجب عليه تخطّيه، وإلا صار تعدياً. وهذا عرف. ولمحمد عشرات الأمتار يحدها عامودين. هذا حيّز «الاسترزاق». من العامود إلى العامود، يسير محمد، ولكنه لا يعترض طريق العابر. ينتظر الأخير ليطلب منه صورة. في حالة واحدة قد يبادر هو إلى المار بجانبه «إذا كان وجهه يوحي بالود». مع ذلك، يحسب دائماً لردّ الفعل «فأخجل أحياناً من بعض الأشخاص الذين قد يصدونك بالقول: شايفينك لو بدنا ياك بنعيطلك». اللحظة الوحيدة التي لا يحسب محمد ردّ فعله عليها هي عندما «أرى فناناً، فهذه اللحظة لا تعوّض». يبتسم، عندما نسأله عن هؤلاء ومع من تصوّر، ويجيب «عادل إمام ومحمد هنيدي وكتار بيغنّوا». ثمة صورة واحدة ينتظرها محمد، وهي «الصورة مع كاظم الساهر». قد تأتي تلك الصورة يوماً ما، لكنها بلا غلّة. يعني «مش مقرّشة». هي لأرشيف الذاكرة فقط.

■ ■ ■


ثمة صيت بأن «اللبناني» أفضل زبون. في كل شيء، يقال. ولكن، في مهنة التصوير الفوتوغرافي الفوري، اللبناني «نيقة». يسترجع أبو وليد، ثالث المصورين هناك وآخرهم، نتف أحداث علقت في ذاكرته على مدى ثلاثين عاماً. قد تتشابه في بعض الأحيان، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بـ»جمالية الصورة». كثر يرفضون دفع ثمن الصورة لأنها «طبيعية». الصورة هنا فورية. الملامح تخرج كما هي بألوانها الحقيقية. لا مجال للفوتوشوب. يذكر أبو وليد حادثة أخرى، صارت مع الوقت مضحكة، عندما «طلب مني أحدهم أن أصوّره كم صورة. أخذت له يومها 8 صور على اعتبار أن الصورة بأربعة آلاف، إلا أن الشاب عمد إلى اختيار ثلاثة وردّ لي البقية». كلفت تلك الحادثة أبو وليد 20 ألفاً «خسارة». عشرون ألفاً هي غلّة كاملة في أيّام أخرى. مع ذلك، الصيت قد يصيب في أحيان كثيرة «فاللبناني هو الزبون الوحيد اللي بيحب يتصور بغض النظر عن الطريقة».
ورث أبو وليد مهنة التصوير عن والده الذي كان «صاحب استديو»، ولكن مع الحرب، انكسر كل شيء، الاستديو، العيش. تهجّرت العائلة، فلجأ الشاب إلى الروشة، مستفيداً من خبرة بسيطة في استديو والده. وقف هناك ولا يزال منذ 30 عاماً يمارس مهنة لا طائل منها. مهنة عايش فيها «أرقى الناس وأوسخهم».
في البدايات، كان لانتظار الزبون طعم، فهو «آتٍ لا محالة. كانوا من زمان يدوروا علينا دوارة وما كنا نرجع على البيت بأقل من 50 ألفاً أو 70 ألف ليرة». بعد الثلاثين الطويلة، صارت مهمة الانتظار أصعب «وصرنا نحنا اللي بدنا ندوّر على الزبون». ولكن، لا يخلو الطريق الطويل من الأشياء واللحظات الحلوة، ولعلّ أحلاها ارتشاف القهوة عند «الغيوب» أو تصوير زوجين سيذكرانك ـ وأنت تلتقط صورة لهما ـ بأنك صورتهما وهما حبيبان في المكان نفسه.

■ ■ ■


لم يبق إلا ثلاثة. بعد حين، سينسحبون واحداً تلو الآخر. هناك، في المكان البعيد من الذاكرة، ستنطفئ صورهم، كما انطفأت كاميرا البولارويد في وقت سابق. وربما، لن يأتي أحد وتبقى الأمكنة فارغة، كما مقعد أبي سمير. وربما، سيأتي واحد بعدهم، ولكنه لن يكون إلا على «حكايتهم». لا شيء يفعله سوى إتقان الإنتظار.




الصورة التي لا تكبر





تقفل باب بيتها، وتنحني مودعة مفاتيحه تحت «المداس». ورويداً رويداً، ترفع جسدها، وتقول بصوتٍ خافت «إلي 33 سنة، بحط المفتاح تحت الدعسة من شان عماد»، ثم تستدير نحو السلالم تنزلها بتأنٍ وتعدّها: واحدة واحدة، إلى أن تصل إلى الدرجة الـ33، فتستدير إلينا، قائلة: «صارو 33 سنة». تدير وجهها ثانية، تكمل ما تبقى من السلالم وتعيد لفّ شريط ذكرياتٍ لم تتعبه السنوات الطويلة. يكاد لا ينقص من الشريط فصل أبداً. تبدأ به في الرابع عشر من أيلول من العام المشؤوم ـ 1982 ـ عندما «رأيتهم في المنام كيف يسوقون عماد إلى الشاحنة». يومها، استيقظت أم عماد بـ»قلب مقبوض وطلبت من عماد البقاء في المنزل، ولكنه عند الظهيرة غافلني وخرج كي يشتري خبزاً من الفرن المجاور»... ولم يعد. في كل مرّة، ستروي قصّتها، ستبكي أم عماد. وعندما ستطفو دموعها على الخد، ستمسحها بطرف «كمّها»، وستسحب صورة ابنها التي تصرّ دائماً على دسّها بالقرب من قلبها. تلك الصورة، التي بهت اللون على طرفيها مكان أصابعها.
لا تفارق تلك الصورة قلب أم عماد، تماماً كما نسخة «الفوتوكوبي» الكبيرة التي لا تفارق سريرها. فكلما استدارت فيه، تحمل «ابنها» معها.
33 عاماً مرّت. لا تعلم هي كم سيمرّ بعد. ولكنها، تعلم بأن عماد «الذي في الصورة لا يزال معي». كلما، مرّ عام، يكبر الوجع، ولكن الصورة تبقى كما هي. تراه فيها كما خرج في اليوم المشؤوم. كأنّه لم يغب «الأسمراني ابن الـ17 سنة».
«الصورة لا تنتهي وإن كانت بالأبيض والأسود»، تقول. لا تموت «طالما أنني لم أعرف مصير ابني». لا تشبه تلك الصور التي تموت بموت أصحابها، ولا تصبح قديمة كما حال صور «البولارويد بالأبيض والأسود». صورة عماد تبقى كما لو أنها أُخذت اليوم. يمكن أن تتحايل أم عماد فيها على الزمن، كأن تلوّنها، كما فعلت في النسخة الثالثة المعلّقة في صدر الدار. أن تلعب بها بـ»الفوتوشوب». أو أن تبقها كما هي، حال الصورة اللصيقة بقلبها. لا يهم ما الذي تفعله، فالمهم أن هذه الصورة لا تزال حيّة. لا تؤرشف في الذاكرة، ولو مرت ثلاثون أخرى.
33 عاماً مرّت. كبر الثقب في قلب أمه ولم يكبر هو. بقي عماد ملاكاً. وفي كل عام يمرّ، تضيء شمعة إلى جانب الصورة وتحسب عمره. تقول: «هيدي السنة بيطبّق عماد الـ54 سنة». ولكنه، في الصورة التي لم تكبر، صار بكرها الغائب «دلّول إخوته». تجهد لترسل ابتسامة، إلا أنها لا تفلح. تكمل بغصّة «صار خيّو الصغير أكبر منّو وصار عندو 3 ولاد». ومحمّد بري أيضاً، صار أصغر إخوته.
الشاب، الذي أخبر والدته صباح الجمعة في السابع عشر من أيلول من عام 1982 أن «الغدا رح يكون عندك بالجنوب»، لم يأت إلى الآن، ولا شقيقاه أيضاً موسى وحسيب. غابوا منذ ذلك الوقت ولم يبق إلا صورة «كولّاج» وضعتها الأم فوق التلفاز في غرفة الجلوس. تحرص على أن تبقى الصورة أمامها وهي ترتشف فنجان قهوتها الصباحية. تكلمهم، كما لو أنهم موجودون. تسألهم عن أحوالهم. تخبرهم بأنه عندما يسألها الناس كم شاباً لديك، تجيب ثمانية «أحسبكم أنتم الثلاثة أيضاً»، وتخبرهم أيضاً بأنها، منذ 30 عاماً، مع بداية فصل الصيف، تخرج ثيابهم الصيفية وتوضب تلك الشتوية، وكذلك تفعل مع بداية الشتاء. وتحكي لهم أيضاً أحوال البيت وكيف تبلل وسادتها في الليل من البكاء وكيف انتظرت كل تلك السنوات طرقة يد واحد منهم على الباب، ولا تزال تمارس الانتظار، معوّلة على «خبريات» تأتيها من هنا وهناك... وعلى عمر أبنائها. في أحيانٍ كثيرة، تضعف أم حسيب، وتغرق في نوبة بكاء قاسية، قائلة: «أنا مش قليلة، إلي ثلاثة شباب، لا واحد ولا اثنين... نص العيلة». تتمنى لو أنها كانت معهم في تلك الرحلة، «لكنت رميت نفسي تحت دولاب الشاحنة اللي اخدوهن فيها». وتتابع: «دفعنا يوماً لأحد الأشخاص في المجلس الحربي مالاً فقال لنا بأن ابننا سيخرج نهار الأربعاء». مرّ اليوم ولم يخرج، لكنها مع ذلك لا تزال تنتظر «الأربعاء»، منذ 33 عاماً. لكن، «لا جدوى»، تقول. لم يبق «مخلوق على وجه الأرض لم أسأله عن أطفالي». اليوم، لم يبق لها إلا الصورة لتسند قلبها. عندما تنظر إليها وترى تلك الابتسامات، تشعر بأن الأمل لا يزال موجوداً... وليس مهماً إن كانت بالأبيض والأسود. المهم هنا أن صور المفقودين ستبقى معلّقة دائماً أمام عيون أمهاتهم حتى عودتهم.
راجانا...