لم تنفِ «داعش» يوماً اتباعها للتيار الوهابي، متفاخرةً بأنها خير من يجسّده. والجديد في هذا الإطار، مقالٌ نشرته إحدى المؤسسات الإعلامية المغرّدة في سرب «داعش» تؤكد فيه أن دولة أبو بكر البغدادي ليست سوى امتداد للدولة السعودية الأولى، كنتيجة عملية وصادقة للمذهب الوهابي.

بقلم الأخ «النّابع»، وبرعاية مؤسسة المنهاج، المنضوية تحت عباءة الجبهة الإعلامية لنصرة «داعش»، نُشر مقالٌ من 18 صفحة، بعنوان «الشيخ البغدادي على خُطى الإمام محمد بن عبد الوهاب. التشابه بين الدولتين: محمد بن عبد الوهاب، وأبو بكر البغدادي».

بالنظرة الكلّية للمنشور، فهو استعراضٌ تاريخي ومقارنة بين الدولتين، «داعش» و«الدولة السعودية الأولى». يشير الكاتب في مقدمة مقاله إلى «وجود الكثير من أوجه التشابه بين الدولتين»، استناداً إلى الكتب التي تناولت دعوة «عبد الوهاب وتحالفه مع آل سعود لقيام الدولة، وكتب أئمة الدعوة النجدية أنفسهم»، خاتماً مقدّمته باعتراف لا لبسَ فيه: «داعش هي امتدادٌ لدعوة ودولة الإمام محمد بن عبد الوهاب، الدولة السعودية الأولى، وهي مشابهة لها في المنهج والكثير من الأحداث».
تأسست الدولة السعودية الأولى عام 1744 في الدرعية، بعد تحالف بين أمير الدرعية محمد بن سعود، ومؤسس التيار الوهابي الداعية محمد بن عبد الوهاب. بات الحلف معروفاً «بميثاق الدرعية» وشملت الدولة الأولى أجزاءً كبيرة من شبه جزيرة العرب.
مُستنداً إلى التاريخ، يحاول «النّابع» أن يُسقط الأحداث التي رافقت تأسيس دولة آل سعود الأولى، على الواقع الذي يعيشه أنصار دولة البغدادي. يستعرض الكاتب ما قاله مؤلفون ـ عرب وأجانب ـ عن دولة آل سعود وجرائمها، مستعيناً بكتاب «تاريخ الوهابيين» المنشور عام 1833، للمؤلف آندرو كرايتون، ليستتبعها بإيضاحات وردود للدكتور عبد الله الصالح العثيمين (مواليد العنيزة 1936) الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية، وعضو الهيئة التعليمية في قسم التاريخ في جامعة الملك سعود في الرياض، وأحد أبرز مؤرخي الدولة السعودية، وذلك لتلميع صورة من حكموا أجزاءً واسعة من شبه جزيرة العرب قبل 270 عاماً.
ينقل كاتب المقال عن كتاب كرايتون أن الدين الوهابي هو «مزيجٌ من محمدية تطهيرية وعُرفٍ بدوي، يكونُ فيها الشيخ قائداً دينياً وسياسياً للأمة». فـ«التطهير» بحسب الكتاب هو «تمسّكٌ بالعقيدة الصحيحة»، مستشهداً بأمثلة تبدأ من المحرمات الدينية الإسلامية التي لا نقاش فيها، كـ«طلب الشفاعة من الأولياء الموتى، أو تقديسهم، وبناء القبب والأضرحة»، وصولاً إلى «التدخين والتبغ»، مقارناً حال الأمس بحال اليوم مع دولة البغدادي.
هذه الصورة عن التيار الوهابي التي قدّمها كرايتون استعرضها «النابع» ليختم بعبارة «وكأن المؤلف يصف داعش اليوم».
يضيف المقال أن جنود الدولة السعودية أُتهموا بسلب ونهب الضالين والكافرين حسب كرايتون، إلا أن العثيمين يوضّح الشبهة، بأن «سعود كان يأخذ خُمس الغنائم لبيت المال العام، ويوزع باقيها على المقاتلين». يتابع الكاتب إضاءته على التقارب، مستشهداً بالمؤلف الأجنبي «ولأنهم (أي الوهابيين) كانوا يأخذون الماشية والغنائم من غير المنضمين إليهم بطريقة فظة، انضم إليهم كثيرون لينقذوا ممتلكاتهم، وبرهنوا على الإخلاص لعقيدتهم بمهاجمة جيرانهم ونهبهم». يُعيد العثيمين رسم المشهد حسب الرواية السعودية، حيث إن الغزوات لا تكون «دون إذن أو توجيه من قادة الدولة»، ليخرج مجدداً «النّابع» بالقول «إن الاتهامات ضد الدولة السعودية هي ذاتها الاتهامات ضد دولة داعش».
الكاتب الداعشي يشبّه محمد بن عبد الوهاب، مؤسس التيّار الوهابي، بأبي مصعب الزرقاوي مؤسّس «داعش». فقد جمعت الشخصيتان «مواهبَ شتى. من فن الإقناع، والحنكة والدهاء السياسي، إلى قوّة السيف». يستعرض مراحل تكفير عوام المسلمين للدولة الوهابية واستحلال دمها سابقاً، والدولة الداعشية حالياً.
لا ينفي الكاتب المجزرة التي قام بها آل سعود عام 1801 في مدينة كربلاء العراقية. يومها كانت المحصلة خمسة آلاف قتيل من سكان المدينة، والاعتداء والسلب لمقام الإمام الحسين بن علي. يعلل العثيمين سبب المجزرة بأن «باشا بغداد لم يسمح لأبناء الدرعية من الرعي داخل العراق، فما كان منهم إلا أن قاموا بتلك الغزوة». يعلل «النابع» ارتكابات «داعش» بأن أفعال جنود التنظيم تأتي «ردّاً على الظلم اللاحق بهم»، مذكّراً بـ«الظلم» الذي لحق بدولة أبناء نجد سابقاً.
يقارن الكاتب «النّابع» بين أعداء الدولتين، وهم من أهل «السُنّة» الذين حاربوا تمدد الفكر الوهابي، مستخلصاً أن «الصحوات ليست صنع اليوم، بل هي سلسلة من الخيانة في القديم والحديث، واشتراء رؤوس القبائل سُنّةُ الأعداء من قبل»، ليعرض «قوّة مجاهدي الدولتين» الذين قاتلوا الصحوات «بشجاعة واستبسال».
هنا يستشهد «الداعشي» مجدداً بما كتبه آندرو كرايتون عن آل سعود في دولتهم الاولى: «أما الذين وقعوا أسرى في أيدي المتعقبين لهم فشوّهوا بوحشية، إذ قطعت أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا ليفنوا»، مضيفاً «هكذا كانت تفعل الدولة الوهابية، تقتل من يقع في يدها بكل شدة وعنف، حتى أوقعوا الرعب في أعدائهم».
يختم الكاتب مقالته بدعوة «داعش» إلى أن تقوم بتدوين تاريخها، كما قام عبد الوهاب بانتداب تلميذه لتأريخ دولته، حيث رأى أن تاريخ الدولتين جزءٌ من التاريخ الإسلامي.
في خلاصة المقال، أراد الكاتب الداعشي تسليط الضوء على الدولة السعودية الأولى، وقارن دولة البغدادي بها، ليخلص إلى نتيجة وحيدة: «داعش» هي الامتداد الطبيعي للوهابية، وتحديداً للدولة السعودية الأولى، منهجاً وعملاً.