صنعاء | نظرياً، يعتبر «حزب التجمع اليمني للإصلاح» تابعاً لجماعة الاخوان المسلمين العالمية. لكن الواقع يختلف جذرياً، نظراً إلى وجود تيارات قبلية ودينية وعسكرية غالبة على التيار «الإخواني» ــ الضعيف داخل هذا الحزب. وتلك التيارات القوية انطلقت من السعودية وتبنّت الخطاب الوهابي، وكانت أبعد ما يكون عن تبنّي فكر مؤسس «الإخوان»، حسن البنا.


وسمحت البراغماتية لهذا الحزب بالتظاهر بـ«الإخوانية» خلال الأوقات الذهبية لصعود «الإخوان» في مصر وغيرها من الدول العربية. لكن لذات السبب والتكتيك السياسي، تخلى «الإصلاح»، صراحةً، عن ارتباطه بـ«الإخوان المسلمين»، نافياً أن يكون فرعاً لها، وتزامن ذلك مع إعلان السعودية ضم «الإخوان» ضمن قائمة «الجماعات الإرهابية»، بمعنى أن «الإصلاح» دائماً ما يقدم علاقته بالسعودية على كل المبادئ، ويقدمها كذلك على كل الأطراف اليمنية. ولا تصغي التيارات الغالبة ضمنه إلى الأصوات «الإخوانية»، لكونها تمثل التيار الأضعف بين تيارات الحزب.
«النظر إلى حزب الإصلاح كامتداد لحركة الإخوان العالمية، أو الفرع اليمني للإخوان كما ترسمه أدبياته، يمثّل نصف الحقيقة»، هذا ما يقوله رئيس «مركز الدراسات الإستراتيجية والاستشارية»، عبدالملك العجري، الذي يبرر ذلك «بالنظر إلى المسار الخاص الذي اتخذه الحزب في السياق اليمني، في حقيقة أنه (يصوّر) تسوية سياسية للتحالف التقليدي بين إخوان اليمن والمشائخ، (التحالف) الذي يحاول المزاوجة بين قيم الايديولوجيتين، القبلية والإخوانية، في مركب رخو لا يخلو من التناقض ويعزز الزبونية الحزبية أكثر مما يجسد ترابطاً عضوياً قائماً على مشروع فكري أو سياسي».
في اليمن لا يحتاج المرء إلى بذل مجهود كبير ليعرف أن «حزب التجمع» حين قدّم نفسه كفرع لـ«الإخوان المسلمين» كان ذلك بقبول من المملكة السعودية. فعلاقة الحزب بالمملكة قائمة على تبعية، إذ لم يبد «الإصلاح» أي ردّ فعل تجاه السعودية حين صبّت الأخيرة، مثلاً، جام غضبها على «الإخوان» في مصر، ونال الحزب نصيباً من ذلك الغضب حين تخلت الرياض عن التيار الديني الوهابي والقبلي أثناء «الصراع» مع «أنصار الله»، الذي انتهى بتلاشي هيمنة آل الأحمر على اليمن. وقد قابل «الإصلاح» هذا التخلي السعودي بتسخير إعلامه للمديح بالسعودية و«أفضالها»، بل وصل الأمر درجة رفع صورة الملك السعودي في المسيرات التي نظمها الحزب في صنعاء، أملاً في كسب عطف آل سعود ورضاهم.
ويرى القائم بأعمال الأمين العام لحزب «الحق» اليمني، محمد المنصور، أن «علاقة السعودية بحزب الإصلاح هي اﻵن علاقة الأصل بالفرع، علاقة الجزء بالكل. فالإصلاح هو الحزب الوحيد الذي تنص أدبياته على علاقة تبعية للسعودية. انفراد الإصلاح في تضمين أدبياته بنداً يحدد علاقته بدولة أخرى هي السعودية، يمثل سابقة لم يشترك فيها مع الإصلاح أي حزب آخر».
كثير من الشواهد والمحطات التاريخية توضح، أكثر، أن تبعية «الإصلاح» للسعودية مطلقة. حين أبدت السعودية عداءها لـ«الإخوان»، عقب توصيفها جماعة إرهابية عام 2014 ومنعها قيادات «الإصلاح» من دخول أراضيها، تمثل ردّ فعل الحزب في إصدار بيان رسمي، اعتبر نفسه فيه حزباً يمنياً وليس امتداداً لـ«الإخوان»، على عكس ما أبداه منذ تأسيسه حتى ذلك الحين، وبالعكس تماماً أيضاً مقارنة بما أبداه الحزب لحظة تولّي «الإخوان» في مصر مقاليد الحكم. لكن لم يشفع له ذلك البيان لدى السعودية، على الاقل حتى وفاة الملك عبدالله.
ذلك البيان الصادر عن «الإصلاح»، يؤكد ما يقال عن وجود تيار «إخواني» داخل الحزب، لكنه ضعيف مقارنة بالتيارات الاخرى. وفي حينه، لم يصدر عن ذلك التيار «الإخواني» أي صوت ينتقد أو يرفض البراءة من «الإخوان المسلمين».
ويشبّه الباحث في التاريخ اليمني، حمود الاهنومي، علاقة «الإصلاح» بالسعودية بـ«العجينة... المكونة من مجموعات إخوانية وسلفية وقبلية وعسكرية، ذات ميول وهابية دانت تاريخياً بالولاء للمملكة العربية السعودية وتقاضت قيادات منها مرتبات جزيلة»، مضيفاً أنّ السعودية «دعمت التعليم الديني الوهابي في المعاهد والمراكز الدينية التي رعاها الإصلاح، بالتعاون، أولاً، مع السلفيين، وصولا إلى الجمعيات الخيرية وجامعة الإيمان.


مثّل حزب «التجمع اليمني للإصلاح» يد السعودية الأبرز في اليمن
شاركوا جميعاً في تخريج كوادر متشددة ومتطرفة، جنح كثير منها إلى السلفية العنفية التي تشعل العالم الإسلامي اليوم». ويتابع أن علاقة «الإصلاح» بالسعودية علاقة عضوية ومتناغمة في أغلب الأوقات، فالحزب هو مثل «النبتة الإخوانية التي سقيت بالأموال الوهابية السعودية إلى أن صارت شجرة عاتية تضرب بجذورها بقوة في المدرسة الوهابية». ويشرح الأهنومي أنّ ارتباط مؤسسي حزب «الإصلاح» بالسعودية أمر واضح وجلي، على رأسهم الشيخ الزنداني في الجناح الديني، وعائلة الأحمر في الجناح القبلي في الحزب. ويشير إلى أنّ هذا الواقع بنى «ارتباطاً قوياً (مع الرياض) على مستوى القيادات، كما قدمت السعودية للمتخرجين من مدارس الإصلاح ومعاهده وجامعاته تسهيلات خاصة في الحصول على وظائف في السعودية، وصار لافتاً مثلاً حصول مئات الأكاديميين ذوي الميول الإصلاحية على كراسي الأستاذية في الجامعات السعودية».
الهيمنة السعودية على اليمن خلال ستة عقود تمثلت في تمكن أسرة آل سعود من السيطرة على معظم الأحزاب والتيارات الدينية والقبلية، وهي سيطرة قائمة على المال. حتى في المراحل التي شهدت صراعاً بين تلك الأحزاب أو التيارات، فإن ذلك لم يؤثر في تبعية الغالبية للسعودية. وما حدث في «ثورة فبراير 2011» من صراع بين علي عبدالله صالح وتياراته القبلية والدينية والعسكرية وبين «الإصلاح» وتياراته، هو صراع خططت له السعودية وأرادت من خلاله الوصول إلى ما تبتغيه حين دعت الأطراف المتصارعة إلى التوقيع في الرياض على «المبادرة الخليجية».
مثّل «التجمع اليمني للإصلاح» يد السعودية الأبرز في اليمن. ويرى القائم بأعمال الامين العام لحزب «الحق» أنّ «الإصلاح طوال تاريخهم في اليمن، وحتى منذ انقلاب 17 فبراير 1948 الذي نفّذه اإخوان لحساب البريطانيين والسعوديين وأدى الى مقتل الإمام يحي بن حميدالدين، ظل حزب اﻻصلاح يلعب دوراً تنفيذياً لمصلحة السعودية وبريطانيا وأميركا في ما بعد، وأدى دوره التآمري من داخل السلطة منذ السبعينيات في اليمن الشمالي في ضرب القوى والأحزاب السياسية، سواء اليسارية أو القومية، وقوى الحداثة والمثقفين. فعمل على ممارسة القمع ضد المثقفين، وإصدار دعاوى التكفير ضد عدد من المفكرين والكتاب، منهم الاستاذ الجامعي حمود العودي عام 1983، والدكتور عبدالعزيز المقالح عام 1986، والشاعر عبدالكريم الرازحي، وغيرهم». ويضيف أنه «عمل على محاولة تغيير البنية المذهبية التقليدية في اليمن بشقيها الزيدي والشافعي، وإحلال الوهابية في التعليم الأساسي والجامعي والخطاب الديني الرسمي وأجهزة اﻻعلام، وطيلة حكم علي عبدالله صالح ظلت السعودية تضخ مليارات الريالات لبناء المعاهد والجامعات والمساجد وتنمية التيار الإخواني والسلفي وجهازه العسكري والامني. ومن خلال الجهاز التنفيذي الأمني للإخوان نمت كل التيارات اﻻرهابية منذ مرحلة الجهاد اﻷفغاني، وكانت اليمن حاضنة للجماعات التكفيرية التي تحركت في كل الساحات واﻻزمات في البوسنة والشيشان والصومال وسوريا والعراق، الخ».
آخر محطات علاقة حزب «الإصلاح» بالسعودية هي محطة العدوان على اليمن. حين وجدت السعودية أنها لم تحقق أهدافها العسكرية في اليمن وبدأت تواجه ضغطاً دولياً ومن قبل المنظمات الانسانية جراء سقوط المئات من المدنيين وتنامي الموقف الداخلي اليمني الرافض للعدوان، أوعزت سلطاتها إلى «الإصلاح» بإصدار بيان يؤيد العدوان، بعد تسعة أيام على بدئه.