صنعاء | تبدو المبادرة التي قدّمها الحزب اليمني الاشتراكي موجهة إلى الحزب نفسه، أكثر منها مبادرة حلٍّ فعلية. فقد أخرج «الاشتراكي» قبل يومين، من جعبته مبادرة من أجل «معالجة مظاهر الأزمة الراهنة واستعادة العملية السياسية» في البلاد، في وقتٍ تنقسم فيه المواقف داخل الحزب من العدوان السعودي على اليمن ومن الأزمة التي سبقته.


وجاءت المبادرة التي تُنشر في عدد اليوم من صحيفة «الثوري» التابعة للحزب، مرتكزة على 6 أهداف وآليات، من شأنها العمل على تنفيذ «الإيقاف الفوري للحرب على الجنوب وسحب القوّات العسكرية والأمنية والميليشيات واللجان الشعبية من مدينة عدن»، وكذلك «إيقاف الضربات الجويّة والعمليات العسكرية لعاصفة الحزم فوراً ومعالجة تداعياتها وضحاياها»، كما أشارت المبادرة إلى ضرورة العودة للحوار الوطني «الرامي إلى إنجاز تسوية سياسية مستديمة» بما يتيح السير على أرضية سياسية توافقية للشراكة في أجهزة البلاد التي يقع عليها أمر تنفيذ مهمات المرحلة الانتقالية». كل هذا سيكون تمهيداً للوصول إلى نقطة الشروع على نحو عاجل لوضع حلول ومعالجات لملّف القضية الجنوبية والإفراج الفوري عن كل المعتقلين والمحتجزين والمخفيين قسراً.
من خلال هذه المبادرة، يرى «الاشتراكي» أنه سيكون من الممكن الشروع بمناقشة وتصحيح مسوّدة مشروع الدستور الاتحادي الذي خرج به مؤتمر «الحوار الوطني»، ومع هذا العمل على إعادة تصحيح شكل الهيئات الضامنة لتنفيذ مخرجات الحوار. إلى ذلك رأت المبادرة أن كل هذا سيكون ممهداً لحالة تطبيع الأوضاع السياسية والعسكرية، وإنشاء نواة للمؤسسة العسكرية نفسها «من الضباط غير الملّوثين بالفساد»، إضافة إلى إخراج القادة المتورطين في إشعال الحرب من العملية السياسية ورفع الحصانة عنهم.
ومن خلال النقاط والمحاور التي طرحتها المبادرة يبدو الحزب الاشتراكي أنه وخلال هذه الفترة المفصلية من تاريخ اليمن، راغباً في «التوفيق» بين ثلاث جهات متنافرة، لكنّها في الأخير تنتمي إلى كيان الحزب نفسه.


ترتكز المبادرة على 6 أهداف وآليات من شأنها العمل على وقف العدوان
من هنا يمكن لقارئ مبادرة الحزب أن يضع يده على مسألة رغبة الحزب في خلق توازن بين ثلاث جبهات تقيم بداخل التنظيم اليساري نفسه. فواحدة منها تقيم في قلب الحزب وقريبة منه وتريد من قيادته إعلان موقف واضح ضد تمدد جماعة «أنصار الله» جنوباً مع موقف رافض لعملية العدوان السعودي الراغب بفرض وصاية خارجية على اليمن. وجبهة أخرى تتمثل في الكوادر الجنوبية في الحزب، التي تنتظر من حزبها موقفاً باعتباره ممثلها الوحيد بعد الوحدة اليمنية، وهي تطالبه بإظهار موقف منحاز لها ولوضعها القائم، وإلا فإن سيرها إلى جوار جماعات «الحراك الجنوبي» سيكون بمثابة الخيار الوحيد الباقي أمامها. أمّا الجهة الأخيرة، فتتمثل في قيادة الحزب التي خرجت من اليمن إثر حرب صيف 1994 وهؤلاء يتطلّعون إلى موقفٍ مساند لعدوان المملكة على اليمن، وأبرزهم رئيس الوزراء السابق حيدر أبو بكر العطاس المقرّب من الرياض، ونائب رئيس الجمهورية الأسبق علي سالم البيض، الذي أصدر موقفاً صريحاً قبل يومين يؤيد العدوان. ولم يكن البيض على علاقة جيّدة بالمملكة، ولكن يبدو أن رغبته في التخلّص من الرئيس السابق علي عبدالله صالح، والسعي للثأر منه دفعته إلى إعلان تأييد غير مشروط للحرب، مؤجلاً القضية الجنوبية التي كان يضعها كمسألة رئيسية ووحيدة في طريقه إلى مرحلة لاحقة. وكما هو معروف، إن «الاشتراكي» لم يصدر قراراً نهائياً بشأن قادته الذين اضطروا إلى الخروج من اليمن، ومنهم من أعلن صراحة معارضته لتوجهات الحزب.
لكنّ ومع حرص «الاشتراكي» على دعوة جميع القوى الفاعلة في العملية السياسية إلى «التفاعل الإيجابي» مع مشروع التسوية التي طرحها، هو يضع المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية كأرضية لتحقيق مهمّات المرحلة الانتقالية. كذلك، وضع مجلس التعاون الخليجي كجهةٍ مشرفة على نقاط المبادرة، وهو الأمر الذي لا يتفق مع تأكيد جماعة «أنصار الله» على أنه لم يعد للمبادرة الخليجية أيّ قيمة فعلية بعد «21 سبتمبر»، إضافة إلى كون المجلس الخليجي يُعد طرفاً معادياً بعد عدوان «عاصفة الحزم». مع ذلك تبدو المبادرة متماشية مع مبدأ الحوار كقاعدة مُطلقة في شعارات الحزب، وتحت أيّ ظرف خشية انسداد الحراك السياسي، وما يسببه من تبعات خطيرة لها أن تصيب الحياة السياسية بالشلل بحسب ما أعلنه الأمين العام الجديد للحزب، عبد الرحمن عمر، في اجتماعه الأخير بقادة وكوادر الحزب في صنعاء. من جهته، يقول سكرتير تحرير جريدة الحزب، فتحي أبو النصر، إن كل المواقف السياسية ترمي إلى الحوار في نهاية الأمر كخيار وحيد وهو ما يفرض من الجميع إظهار حساسية مختلفة وتنازلات موضوعية «من أجل مواجهة انسداد آفاق الحاضر والمستقبل»، فيما أشار أبو النصر إلى أن هناك من لم يفهم حتى اللحظة أن كل مجريات الأمور في النهاية، لا بد أن تعود إلى الحوار السياسي الشفاف والناضج والملتزم حل كل القضايا والمهمات والمشاكل الملّحة والمتراكمة.