رحل ولم يقبل بكشف ذلك السر. مع أن معطيات ما أخفاه طيلة نصف قرن، تبدّلت. سوريا لم تعد سوريا. ولبنان ما عاد لبنان. وكلّ المنطقة لم تعد تشبه زمنه وعهوده، ومع ذلك لم يكشف فؤاد بطرس السر...

تلميحه الوحيد حول مضمونه كان قبل عشرين عاماً بالتمام. كان ذلك في العام 1995. كان لبنان قد دخل في مرحلة مشوبة بانطباعين متناقضين جذرياً. بين تمكين تركيبة الوصاية السورية، وثبات واجهتها الحريرية من جهة. وبين قيام مقولة "الإحباط المسيحي" وظهور "تصحير المجتمع السياسي المسيحي" من جهة أخرى. كان البلد ــــ كما هو قبلاً وأصلاً ودوماً ــــ بلدين اثنين: واحد يقوم على شعار أن "البلد ماشي"، وآخر يعيش على شعار "سوريا طلعي برا!".
وكان فؤاد بطرس على علاقة جيدة بـ "البلدين": مستشار فوق العادة في بكركي، حاملاً حتى لقب البطريرك السياسي أو الدبلوماسي لخطها وفكرها، من موقع الأرثوذكسي الأكثر معرفة بنظام المارونية السياسية البائد. ومستشار بالرتبة نفسها لدى قريطم وحتى لدى دمشق في مرحلة لاحقة، يوم ذهب ــــ والبعض قال إنه استدرج ــــ إلى حوار مطلع الألفية مع بشار الأسد. المهم أن كل تلك المواقع والصفات، إلى جانب تاريخه وحاضرنا، كانت أسباباً كافية لتجعلنا نلحّ حتى نلتقيه دورياً. على شرفة منزله في الأشرفيه، كانت الجلسة ذات يوم من ذلك الزمن. ميشال عون في المنفى. سمير جعجع في السجن. بكركي تحت الحصار. والتفكر المسيحي السيادي يدأب على البحث عن أصل المشكلة: هل الأزمة اللبنانية كامنة في الصراع المسيحي ــــ المسلم، على النظام والسلطة وصيغة الحكم والشراكة ومكوّنات الوجدان الوطني، وهو هذا الصراع ما يستجلب كل عوامل التدخل الخارجي؟ أم أن القضية اللبنانية، بعد ما وصل إليه اتفاق الطائف بتركيبته الداخلية والخارجية، تكمن في طمع "العقل السياسي" لسوريا الدولة، أياً كان حاكمها، في أن يبتلع لبنان، وذلك لأسباب خمسة مركبة، بين الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية ولعبة نفوذ الشرق الأوسط؟ بحيث أن عامل التناقض الأساسي هذا بين سوريا ولبنان، هو ما ينعكس في الداخل اللبناني انقسامات وتوترات وتفجيرات، حتى تفرض دمشق على بيروت معادلة "الاستقرار مقابل الاستقلال"؟ وكان "نائب رئيس الجمهورية اللبنانية لعهدين ونصف" كما وصف نفسه ذات مرة، متردداً في حسم خياره واقتناعه حول أي من القراءتين هي الأصح لحقيقة أزمتنا ومشكلتنا. تارة ينحو صوب تحميل سوريا أسباب الأزمة، متأثراً بفلسفته الشهابية لفهم لبنان ومحيطه. فيكرّر على مسامعنا أن وزيراً سابقاً مرشحاً دائماً للرئاسة، لا ينفكّ يسأله: لم أفهم بعد ماذا تريد سوريا من لبنان؟ ليجيبه بطرس بالفرنسية: "كله، وما يبقى منه أيضاً!". وتارة يعود الدبلوماسي العتيق إلى ممارسة النقد الذاتي. فيرى أن المسيحيين هم من أخطأوا في ممارسة الحكم، وفي التعاطي مع المسلمين في الداخل، كما مع السوريين في الخارج... خصوصاً خصوصاً، مع حافظ الأسد...
كيف وأين أخطأ المسيحيون مع الأسد؟ هنا فتح فؤاد بطرس ذاكرته المتّقدة، ليروي الحادثة التالية: كنا في مطلع العام 1978. كان السادات قد ذهب إلى اسرائيل. وكانت الأرض التي قام عليها عهد الرئيس الياس سركيس، لجهة التنسيق بينه وبين الجبهة اللبنانية من جهة ومع دمشق من جهة ثانية، قد بدأت تهتز. وكنت قد بدأت أستشعر الزلزال المقبل، فيما لو بدّل الأسد تموضعه لجهة علاقته مع أبو عمار، وذهب في المقابل أركان الجبهة، وبشير الجميل أولهم، في رهانهم على المتغيّر المصري وتسوية المنطقة إلى أبعد. في خضم هذا التناقض البادي في الأفق، تشاورت مطوّلاً مع الرئيس سركيس. وقررنا أن أذهب للقاء الأسد للبحث معه في تلك المعطيات. في دمشق، أمضيت نحو ست ساعات مع الرئيس السوري. محاوراً، مناقشاً، مفاوضاً. في ختام تلك الجلسة الماراتونية، خرج الأسد بمفاجأة. قال لي: لديّ مبادرة للأخوة في الجبهة اللبنانية. هذا مضمونها. شرحها بتفصيل كاف لتظهر علامات الدهشة على وجهي. قبل أن يختم: هكذا يطمئنون، وهكذا يستقر الوضع في لبنان، وتستقر العلاقة بين بيروت ودمشق.
حمل فؤاد بطرس طرح الأسد الشفهي، وطار به عائداً إلى بعبدا، ليعرضه على الرئيس سركيس. فارتسم الذهول نفسه على وجه ناسك القصر. ماذا نفعل الآن؟ سأل "الوزير الأول". ليجيب الرئيس: اتصل فوراً بكميل شمعون وبيار الجميل لينضما إلينا هنا الآن ومن دون تأخير. وصل ركنا الجبهة، شرح بطرس ما حدث معه، وسط حماسة ظاهرة في كلامه وحبور باد على وجه سركيس. لكن ثواني قليلة أعقبت ختام عرضه، كانت كافية لتنفيس البهجة. يقول: لبث الزعيمان صامتين. لم يبديا أي تشجيع أو ترحيب. طلبا بعض الوقت لبحث الموضوع، قبل العودة بجواب. غادر الرجلان بعبدا وسط خيبة عميقة لدى سركيس وبطرس. مضت أيام قليلة، قبل أن يأتي الجواب عبر موفد إلى الرئيس: مش ماشيين!
أضعنا فرصة كان لها أن تؤمن استقرار البلد ربع قرن، ختم فؤاد بطرس روايته. ماذا كان مضمون عرض الأسد؟ هذا سرّ لن أكشفه، ظل يردّد. لقد رحل المعنيون به كلهم. وسيرحل معي! قبل يومين تأكد الأمر.