لم يقسُ فصل الشتاء على السوريين بعد. لا يزالون يُعانون من حبات المطر حيناً وانخفاض في درجات الحرارة حيناً آخر، فقط. تمرّ حالياً عاصفة «حقيقية» وحيدة في حين أنهم عانوا في العام الماضي من شتاء قارس، قد يتكرّر العام الحالي. أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وثقت تضرر ما يقارب 10,8 ملايين شخص، من إجمالي عدد السكان السوريين البالغ 22 مليون نسمة. ولكن لا وجود لأرقام رسمية تُحدد عدد الذين يعانون من نقص في الحصول على وقود للتدفئة، وحجة الحكومة هي حركة النزوح التي تُصّعب عملية إحصاء السكان وتقدير احتياجاتهم.
ماجد سليمان يستعين بالزيت المحروق والأقمشة وبعض الأحذية البلاستيكية حتى يؤمن الدفء لعائلته. يوضح في حديث لـ«الأخبار» أنه لم يحصل العام الماضي «على أي كمية من مادة المازوت، لأن المختار ورئيس البلدية وزعاها على أقاربهما ومعارفهما». وفي التفاصيل أنّ «رئيس البلدية في عرطوز وزّع بداية مئة ليتر، ولم نعرف بعملية التوزيع إلا عندما استلم الجيران مخصصاتهم. حين اعترضنا على ذلك، طُلب منا تسجيل أسمائنا وانتظار دورنا». طال الانتظار «وها قد أتى الشتاء الثاني ولم نستلم ليتراً واحداً. لذلك، اشتريت طنا ونصف طن من الثياب المهترئة بخمسة آلاف ليرة. أما زوجتي، فتجمع طيلة الصيف مع الأولاد الأخشاب والأوراق لاستخدامها في التدفئة شتاءً».
خلال الأزمة، اعتمدت الحكومة أسلوب التسجيل المباشر لدى الوحدات الإدارية للحصول على مخصصات لا تكفي العائلات في المناطق الداخلية، فكيف الحال بالمناطق الجبلية؟ ورغم قيمة المخصصات المتدنية، لم يكن عدد من العائلات يحصل عليها، لسببين: عدم قدرتها على تسديد قيمة كميات المازوت المخصصة، أو نتيجة التلاعب والإهمال من قبل الجهات الموزعة، استناداً الى البيانات الصادرة عن شركة المحروقات الحكومية التي تشير إلى تدني عدد العائلات التي تسلمت مخصصاتها مقابل عدد الأسر القاطنة في كل محافظة.

تحرير 2800 مخالفة حرجية بين قطع وكسر وحرق

معظم سكان المحافظات التي يصلها المازوت، يشكون من اللاعدالة في توزيع المازوت. عملية التوزيع تتولاها لجان أهلية داخل الاحياء، إلا أنه لا سلطة لها على الأرض ما جعلها أداة بيد مجموعات «شبه عسكرية» مسيطرة. «حاملو السلاح» أجبروا اللجان الأهلية على توزيع المازوت على المقربين من المختار ورئيس البلدية وعائلات «اللّجان». أما المواطن العادي فلا يزال يعاني حتى يحصل على مخصصاته، وغالباً ما يلجأ الى السوق السوداء، ليؤمن بعضاً من احتياجات عائلته.
جبران مواطن من حمص يروي لـ«الأخبار» معاناته: «لجان الحي طلبت من العائلات في حيّنا تسجيل أسمائنا وأرقامنا الوطنية حتى يتم تخصيصنا بكميات من المازوت. خُفضت الكمية من مئتي ليتر إلى أربعين ليترا فقط، ورغم ذلك لم نستلم أي ليتر». يسأل جبران إن كان ذلك «مقصوداً بغية توفير زبائن للسوق السوداء، التي بيع فيها ليتر المازوت العام الماضي بنحو مئتين وأربعين ليرة».
يعرض المحلل الاقتصادي محمد وائل حبش وجهة نظر أخرى، فيرى أنّ «سعر ليتر المازوت حالياً لا يزال مدعوماً مقارنة بأسعار الدول المجاورة»، مضيفاً أنه إذا أرادت الحكومة «تخفيف العبء عن شبكات الكهرباء والحراج، فمن المفروض توزيع ألف ليتر تقريبا لكل عائلة».

إلى الحطب
هناك فئة من الناس، لم تنتظر أن تحصل على مخصصاتها من مازوت التدفئة، فلجأوا إلى استخدام مدافئ الحطب. في البداية لم يكن عددهم كبيراً، إلا أنّ العدد ارتفع مع فقدان مادة المازوت، وتحرير أسعارها من قبل الحكومة وتحكم السوق السوداء بها. يُلاحظ ذلك من خلال انتشار مدافئ الحطب في الأسواق، وافتتاح محلات مختصة ببيع الحطب في المناطق وداخل العاصمة. انعكس ارتفاع الطلب على هذا النوع من المدافئ سلباً على أسعار الحطب التي ارتفعت أيضاً. ففي عام 2011 كان طنّ الحطب يُباع بنحو خمسة آلاف ليرة، بينما تراوح أسعاره هذا العام بين الأربعين والسبعين ألف ليرة، حسب نوعيته وجودته والمنطقة المُستخرج منها، تُضاف الى هذه العوامل، الصعوبة في توفيره أحياناً. وبحسب تقديرات عدد من تجار الحطب، فإن معدّل استعمال هذه المادة من قبل كل العائلة السورية هو «قرابة الثلاثة أطنان في فصل الشتاء، وخاصة إذا كان الاستهلاك يوميا في أشهر كانون الأول، كانون الثاني، شباط وآذار».
اعتماد مدافئ الحطب أدّى الى انفراج شريحة من السوريين، إلا أنّ ذلك خلق أزمة أكثر خطورة اقتصادياً وبيئياً، فالطلب المتزايد على الحطب، دفع بالكثيرين إلى اللجوء إلى «التحطيب». يقول مدير الحراج في وزارة الزراعة الإصلاح الزراعي وجيه خوري إنّ «المديرية حررت هذا العام نحو 2800 مخالفة حرجية بين قطع وكسر وحرق بغرض الضرر، حيث شهدت الغابات والمناطق الحراجية خسائر كبيرة تقدر بمئات الملايين من الليرات، نتيجة الأعمال القتالية وتعدي الناس على المناطق الحراجية». ويتفهم خوري في حديثه لـ«الأخبار» حاجة الناس «للتدفئة واستخدام الحطب في الأعمال المنزلية، لذلك سمحت وزارة الزراعة، وللعام الثالث على التوالي، ببيع الأخشاب لسكان المناطق القريبة من الحراج منعا للقطع العشوائي بأسعار تراوح بين 4 آلاف إلى 8 آلاف ليرة سورية للطن الواحد باختلاف نوعية الخشب. أكثر من ألف عائلة استفادت من هذا العرض».
ويضيف مدير الحراج بأنّ موضوع الخسائر الاقتصادية لكل شجرة «أمر لا يمكن حصره. فنحن في سوريا نملك أشجارا معمرة تختلف أنواعها، فإذا أردنا حساب الخسارة، علينا أن نعلم عمر الأشجار ونوعها. لكنها مهما كاانت خسارة كبيرة بالتأكيد».