شكّلت حرب تمّوز التي شنتها إسرائيل على لبنان عام 2006، نقطة فاصلة جديدة في النقاش الوطني حول الخيارات المتاحة للتنمية وتحديداً خلال مراحل إعادة الإعمار. غداة توقف الرصاص والقذائف، كتب الباحث الاقتصادي والمالي الدكتور جورج قرم، عن حتمية إصلاح النظام النقدي اللبناني كشرط أساسي في حال كانت البلاد تنوي فعلاً الانتقال إلى مرحلة جديدة من الإدارة الاقتصادية التي قد تؤدّي إلى تنمية مستدامة بعد أكثر من عقد ونيف من مراكمة الدين العام، تراجع الإنتاجية، الهدر، الفساد وهجرة اليد العاملة الماهرة والخريجين.


"يتميز النظام النقدي باستخدام عملتين بشكل متزامن، مع ربط ثابت لليرة بالدولار. هذا النظام أفقد البلاد كلياً المرونة اللازمة لإدارة الاقتصاد كما أدى إلى التراكم الهائل للدين العام نتيجة معدلات فاقعة للفوائد المفروضة على سندات الخزينة". هكذا اختصر قرم المعضلة النقدية اللبنانية، واصفاً النظام بأنه "غير فعال ومكلف... ويجب إصلاحه بأسرع وقت ممكن، ما يفرض الحاجة إلى استراتيجية واضحة" في هذا الإطار.
هكذا، لم يكن منطقياً الانطلاق في مرحلة ما بعد عدوان تموز بما حملته من أفكار إعادة إعمار، ومهدت لشراكات سياسية جديدة، وإن كانت قصيرة، بعد الاضطرابات الأهلية، من دون رؤية جديدة للنظام النقدي.
غير أن البلاد مضت على السكة نفسها، وبعدما كان الدين العام المعترف به رسمياً عند 37 مليار دولار حين كتب جورج قرم سطوره، أضحى اليوم يفوق 66 ملياراً، ولا تزال الليرة مرتبطة بالعملة الأميركية.

ارتباط عضوي

في الحقيقة، يُعدّ هذا الارتباط عضوياً في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية بعد الحرب الأهلية. يُمكن بسهولة استذكار هوس الجميع، بينهم الأولاد الحاذقون في العاصمة، بكيفية الربح من تقلب سعر الصرف مباشرة بعد هدوء المدافع وتوقيع اتفاق الطائف وبدء مرحلة التخطيط لكيفية "إدارة وتلزيم" الاقتصاد اللبناني.
وحتّى اليوم، بعد ربع قرن على هذا الكلام لا يزال دولار أميركا مسيطراً، وتبقى الليرة تلميذة وفية تلحقه مهما كانت أهواؤه. لبنان ليس وحيداً في هذه التبعية هناك بلدان عديدة في المنطقة وخارجها تحفاظ على الربط الأحادي بالدولار، فيما بلدان أخرى تفضل سلة عملات لإدارة نظامها النقدي وحفظ استقراره.


إذا كانت الطمأنينة هي التي يجب أن تسود نتيجة تبعية الليرة للدولار لماذا هذه الكلفة العالية لمخاطر الاستثمار في الدين اللبناني؟

وفقاً لمسح نشره صندوق النقد الدولي أخيراً، فإنّ الدولار يبقى عملة الاحتياط المفضلة في العالم. هو يشكّل 33% من تلك الاحتياطات أي ما يعادل 3.8 تريليونات دولار. وراءه يحلّ اليورو بـ1.35 تريليون دولار ثمّ الين الياباني والجنيه الاسترليني بنسبتين متواضعتين تبلغان 2.1% و2% على التوالي.
بنهاية عام 2014، كانت الأصول الأجنبية الإجمالية التي يملكها المصرف المركزي عند 38 مليار دولار معظمها ودائع بالعملات الأجنبية، وتحديداً بالدولار، من المصارف التجارية في مقابل سندات دين بالعملات الأجنبية، وذلك في عملية التفاف على نظام نقدي حاول البعض فيه خلال السنوات الماضية فرض فوائد أدنى في السوق، غير أن النظام عدّل نفسه وأمن للمصارف التجارية ممراً خلفياً لفوائد أعلى عبر البنك المركزي. تجذب المصارف التجارية الدولار والعملات الصعبة الأخرى من المغتربين اللبنانين ومن العملاء الأجانب، إضافة إلى عملياتها الخاصة التي تؤمن لها العملة الصعبة. وعبر تيّار تحويلات المغتربين التي تفوق 7 مليارات دولار سنوياً، يتغذّى نظام الثنائية النقدية.

القلق المخيم

أما العامل الأهمّ الذي يغذي ثنائية الدولار – الليرة، فهو القلق الذي يبقى مخيماً على الساحة النقدية اللبنانية وخصوصاً خلال فترات الخضات السياسية والأمنية، لدرجة أن السؤال الذي يُطرح عند كلّ استحقاق هو: "هل الليرة في خطر؟" ويخرج بعدها حاكم المصرف المركزي في تصريحات أضحت من الفولكلور النقدي اللبناني، ليطمئن أن "الليرة بألف خير" وأن فريقه سيقوم بكلّ ما بوسعه لحمايتها وحماية ودائع الجمهور.
غير أن هذه الطمأنة نفسها هي التي أدّت إلى تدمير المالية العامة على ضريح الحفاظ على الليرة. فعشية المطالعة الشهيرة لجورج قرم، كان معدل الفوائد المفروضة على سندات الخزينة والمسجّل بين عامي 1993 و2004 عند 16%، "أي ما يمثّل هامش حماية بأكثر من 10% (أي الكلفة التي تقاضاها المستثمر نظراً المخاطر المرتفعة التي يُقحم أمواله فيها!) مقارنة بالمعدل المعياري في لندن (LIBOR) المقدّم لحاملي سندات الدين السيادي اللبناني".
فإذا كانت الطمأنينة هي التي يجب أن تسود نتيجة لاعتماد نظام الثنائية النقدية – أو تبعية الليرة للدولار – لماذا هذه الكلفة العالية لمخاطر الاستثمار؟ مع العلم أن هذه الكلفة، التي تعكسها الفوائد المرتفعة، مستمرّة حتّى اليوم وإن على نحو أقل وقاحة.
الحجة هنا هي تلقائياً ضد الربط بالدولار. ولكن ماذا عن الاعتبارات الأخرى للربط، وتحديداً على المستوى التجاري؟
في عام 2008، خلصت دراسة نشرها مركز إصلاح الاقتصاد والتحول (CERT) في جامعة "هيريوت واط" الاسكوتلندية، إلى أنه "من ناحية التأثير التجاري، يتبين أنه من الأفضل ربط عملات بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باليورو مقارنة بالدولار".
صحيح أن الخلاصة تختلف في حالة البلدان العربية النفطية، التي تبيع ثروتها بالدولار، كذلك تختلف في حالات البلدان التي تسجّل معدلات تبادل تجاري كبير مع آسيا، إلا أنّ الدراسة المعنونة "أنظمة أسعار صرف بديلة لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" تحسم النقاش لبلدان مثل لبنان.
صحيح أنّ اليورو يعيش أوقاتاً صعبة، إلا أن تراجعه أمام الدولار يكون جيداً لليرة في حال كانت مربوطة فيه. كذلك فإنّ مناورة البنك المركزي الأوروبي لإنعاش اقتصاد القارة عبر خفض سعر صرف علمتها الموحدة يوضح الكثير عن الاستراتيجية النقدية المعتمدة في القارة العجوز، وكم يُمكن أن يُشكّل هذا الأمر فرصاً للبنان لتعديل ترتيباته النقدية.
في الخلاصة، ما كتبه جورج قرم قبل 15 عاماً يبقى قائماً اليوم، ولا حجّة تطغى عليه مهما تستند إلى الصراعات الإقليمي والحروب في الجوار وضرورة الحفاظ على الاستقرار. في بعض الأحيان، لا تحدث الخروقات الكبيرة سوى في أغرب الأوقات.